مبادئ “يونيدروا” للعقود التجارية الدولية

| د. عبدالقادر ورسمه

تلعب‭ ‬مبادئ‭ ‬“يونيدروا”‭ ‬دورا‭ ‬هاما‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬وتنمية‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وتطويرها‭ ‬وفق‭ ‬أسس‭ ‬قانونية‭ ‬سليمة‭. ‬المعهــد‭ ‬الــدولي‭ ‬لتوحيــد‭ ‬القــانون‭ ‬الخــاص‭ )‬يونيــدروا‭ (‬ومقره‭ ‬روما،‭ ‬قام‭ ‬بإصدار‭ ‬المبادئ‭ ‬وهي‭ ‬تأخذ‭ ‬أسمها‭ ‬منه‭. ‬وبعد‭ ‬إصدار‭ ‬المبادئ‭ ‬تواصل‭ ‬المعهد‭ ‬مع‭ ‬لجنة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للقانون‭ ‬التجاري‭ ‬الدولي‭ (‬يونسيترال‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬موافقتها‭ ‬وأقرت‭ ‬مبادئ‭ ‬يونيدروا‭ ‬لعام‭ ‬2010‭.‬

وأفادت‭ ‬لجنة‭ ‬يونيسترال‭ ‬أن‭ ‬الهـدف‭ ‬مـن‭ ‬مبـادئ‭ ‬يونيـدروا‭ ‬ينحصر‭ ‬بصفة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬بعض‭ ‬المواضيع‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬قطاع‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية‭ ‬والأوساط‭ ‬القانونيـة‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬بوضع‭ ‬المبادئ‭ ‬كان‭ ‬يهدف‭ ‬لإعادة‭ ‬روح‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وروح‭ ‬الـ‭ ‬“ليكس‭ ‬ميركاتوريا”،‭ ‬المنبثقة‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الروماني‭ ‬القديم‭ ‬المنظم‭ ‬للأعمال‭ ‬التجارية،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬جديد‭ ‬وفق‭ ‬الأسس‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬القانون‭ ‬الواجب‭ ‬التطبيق‭ ‬في‭ ‬العقود‭. ‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬تتنــاوله‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬وضع‭ ‬أحكام‭ ‬قانونية‭ ‬إضافية‭ ‬للعقود‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬رد‭ ‬الحــق‭ ‬في‭ ‬حالــة‭ ‬عــدم‭ ‬تنفيــذ‭ ‬العقــد،‭ ‬انتفــاء‭ ‬الــشرعية،‭ ‬الشروط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعقد،‭ ‬تعدد‭ ‬المتعهدين‭ ‬والمتعهد‭ ‬لهم،‭ ‬حساب‭ ‬المقاصة،‭ ‬سقوط‭ ‬الحق‭ ‬بالتقادم،‭ ‬شروط‭ ‬الالتزام‭ ‬المشترك‭ ‬والمتعدد،‭ ‬قواعد‭ ‬تطبيق‭ ‬العدالة‭ ‬الطبيعية‭ ‬“ايكويتي”،‭ ‬إجراءات‭ ‬المحاكم‭ ‬المحلية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمبادئ‭ ‬يونيدروا،‭ ‬اللجوء‭ ‬للقضاء،‭ ‬اللجوء‭ ‬للتحكيم‭ ‬وموقف‭ ‬القضاء‭ ‬والتحكيم‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭.  ‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬“قانون”،‭ ‬وتشكل‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬للعقود‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬تشريعية،‭ ‬لكنها‭ ‬طورت‭ ‬وضعا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المبادئ‭ ‬السائدة‭ ‬والمعروفة‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬العقود‭. ‬ونذكر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬مثلا،‭ ‬حالة‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬الطارئة‭ ‬“الاستحالة”‭ ‬حيث‭ ‬وضعت‭ ‬المبادئ‭ ‬إجراءات‭ ‬تفصيلية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬الي‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭ ‬ممكن‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬ظروف‭ ‬الاستحالة‭. ‬

وهذا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مخرج‭ ‬قانوني‭ ‬جديد‭ ‬يضع‭ ‬أطراف‭ ‬العقد‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬التمسك‭ ‬بالعقد‭ ‬وتنفيذه‭ ‬لإبراء‭ ‬الذمة،‭ ‬وكما‭ ‬نعلم‭ ‬فقد‭ ‬دار‭ ‬نقاش‭ ‬قانوني‭ ‬عميق‭ ‬حول‭ ‬الاستحالة‭ ‬والظروف‭ ‬القاهرة‭ ‬بسبب‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭. (‬وقد‭ ‬يرتاح‭ ‬البعض‭ ‬لهذا‭ ‬المخرج‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬“الاستحالة”‭ ‬في‭ ‬يدهم‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬للمحاكم،‭ ‬وعليه‭ ‬ولمن‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المخرج‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬مبادئ‭ ‬يونيدروا‭ ‬لتكون‭ ‬القانون‭ ‬الواجب‭ ‬التطبيق،‭ ‬والأمر‭ ‬كما‭ ‬أوضحنا‭ ‬يعود‭ ‬لأطراف‭ ‬العقد‭). ‬وكذلك‭ ‬تتناول‭ ‬يونيدروا‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬الخاصة‭ ‬بالوكالة‭ ‬ودور‭ ‬“الوكيل”‭ ‬ودور‭ ‬“الأصيل‭ ‬المستتر”‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الحق‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬مقاضاة‭ ‬الطرف‭ ‬الثالث،‭ ‬وبصفة‭ ‬عامة‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬جائز‭ ‬وفق‭ ‬الأحكام‭ ‬العامة‭ ‬لعقد‭ ‬الوكالة‭.‬

العديد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬والكفاءات‭ ‬القانونية‭ ‬ولجنة‭ ‬يونسيترال،‭ ‬كلها‭ ‬توصي‭ ‬باستخدام‭ ‬المبادئ،‭ ‬وهناك‭ ‬اعتراف‭ ‬دولي‭ ‬بأن‭ ‬مبادئ‭ ‬يونيدروا‭ ‬تضع‭ ‬مجموعة‭ ‬شاملة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعقود‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية‭ ‬وبذلك‭ ‬تكون‭ ‬مكملة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬صكوك‭ ‬ووثائق‭ ‬القانون‭ ‬التجاري‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬“اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لعقود‭ ‬البيع‭ ‬الدولي‭ ‬للبضائع”،‭ ‬نظرا‭ ‬لما‭ ‬بهذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬من‭ ‬فائدة‭ ‬في‭ ‬تيسير‭ ‬التجارة‭ ‬وتكون‭ ‬يونيدروا‭ ‬مكملة‭ ‬لها‭. ‬وتنص‭ ‬أحكام‭ ‬2020،‭ ‬علـى‭ ‬أنَ‭ ‬المبادئ‭ ‬تضع‭ ‬قواعد‭ ‬عامة‭ ‬للعقود‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية،‭ ‬وأنها‭ ‬تطبق‭ ‬عندما‭ ‬يتفق‭ ‬الطرفان‭ ‬على‭ ‬تطبيقها‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬المبرم‭ ‬بينهم‭. ‬

ويجوز‭ ‬تطبيقها‭ ‬عندما‭ ‬يتفق‭ ‬الأطراف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إحالة‭ ‬العقد‭ ‬الى‭ ‬مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭ ‬وكذلك‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يختار‭ ‬الأطراف‭ ‬قانون‭ ‬محدد‭ ‬يحكم‭ ‬العقد‭. ‬وكما‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬المبادئ‭ ‬لتفسير‭ ‬الصكوك‭ ‬والوثائق‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬الموحدة‭ ‬أو‭ ‬استكمالها،‭ ‬وأن‭ ‬تستخدم‭ ‬لتفسير‭ ‬القانون‭ ‬الداخلي‭ ‬أو‭ ‬استكماله،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬المبادئ‭ ‬بمثابة‭ ‬نموذج‭ ‬للمشرعين‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الوطني‭ ‬والدولي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬يتبين،‭ ‬أن‭ ‬نطاق‭ ‬تطبيق‭ ‬يونيدروا‭ ‬واسع‭ ‬مما‭ ‬يقود‭ ‬لفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬القانونية،‭ ‬وهكذا‭ ‬تلعب‭ ‬مبادئ‭ ‬يونيدروا‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬تطوير‭ ‬ودعم‭ ‬وتقنين‭ ‬عقود‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬

وللتنبيه،‭ ‬فإن‭ ‬دور‭ ‬المبادئ‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬على‭ ‬“العقود‭ ‬التجارية”‭ ‬فقط‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أنواع‭ ‬العقود‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمستهلكين‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬الإيجاز‭ ‬أو‭ ‬العمل،‭ ‬وكذلك‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تنطبق‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬بالتجارة‭ ‬ولا‭ ‬يحترف‭ ‬التجارة‭ ‬كمهنة‭ ‬ثابتة‭. ‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬نلاحظ‭ ‬بان‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬العقود‭ ‬اليومية‭ ‬يقع‭ ‬خارج‭ ‬الاختصاص‭. ‬وهذا‭ ‬يعود،‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬المبادئ‭ ‬تستهدف‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬حاجة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬الى‭ ‬حلول‭ ‬قانونية‭ ‬معينة‭ ‬ترضي‭ ‬فكر‭ ‬ومرامي‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬والتجار،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحققها‭ ‬القوانين‭ ‬المحلية‭ ‬لنظرتها‭ ‬الداخلية‭ ‬المحضة‭. ‬