عن مجدل شمس التي لم تساوم على قتل أبنائها

| عبدعلي الغسرة

لم‭ ‬يقتل‭ ‬الصاروخ‭ ‬الذي‭ ‬سقط‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬“مجدل‭ ‬شمس”‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ (‬12‭) ‬طفلًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حفر‭ ‬“جرحا‭ ‬عميقا”‭ ‬وأحدث‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬لأهلها،‭ ‬وتقع‭ ‬مجدل‭ ‬شمس‭ ‬على‭ ‬السفح‭ ‬الجنوبي‭ ‬لجبل‭ ‬الشيخ‭ (‬حرمون‭) ‬بإقليم‭ ‬البلان‭ ‬في‭ ‬الجولان‭ ‬المحتل،‭ ‬عند‭ ‬مثلث‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وفلسطين،‭ ‬ويبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬المجدل‭ (‬10‭) ‬آلاف‭ ‬نسمة،‭ ‬أغلبيتهم‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬الدرزية،‭ ‬وينتمي‭ ‬بعضهم‭ ‬للمسيحية‭ ‬الأرثوذكسية،‭ ‬وقد‭ ‬احتلها‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ (‬1967م‭) ‬وضمها‭ ‬رسميًا‭ ‬في‭ (‬1981م‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬اشتهر‭ ‬أهلها‭ ‬بمقاومة‭ ‬جهود‭ ‬الاحتلال‭ ‬لتطويعهم‭ ‬سياسيًا‭ ‬وثقافيًا،‭ ‬بجانب‭ ‬القرى‭ ‬الأربع‭ ‬الأخرى‭ ‬المحتلة‭ (‬بقعاثا،‭ ‬عين‭ ‬قنية،‭ ‬الغجر‭ ‬ومسعدة‭).‬

حاولت‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ (‬1982م‭) ‬فرض‭ ‬الجنسية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بالقوة‭ ‬على‭ ‬سكانها،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬رفضوا‭ ‬وقاطعوا‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يَقبل‭ ‬الجنسية،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬محاصرتها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬فمنعت‭ ‬دخول‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬زادهم‭ ‬صلابةً‭ ‬وتمسكًا‭ ‬بأرضهم‭ ‬وعروبتهم‭ ‬ورفضهم‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وفي‭ ‬20‭ ‬يونيو‭ ‬2011م‭ ‬قرر‭ ‬العدو‭ ‬بناء‭ ‬جدار‭ ‬شائك‭ ‬يبلغ‭ ‬ارتفاعه‭ (‬8‭) ‬أمتار‭ ‬قرب‭ ‬“مجدل‭ ‬شمس”،‭ ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬المجدل‭ ‬حراكًا‭ ‬وتظاهرًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬ضد‭ ‬ممارسة‭ ‬العدو‭ ‬التي‭ ‬تنتهك‭ ‬أراضيهم‭ ‬وتهدد‭ ‬مواردهم‭ ‬الزراعية‭ ‬وترسخ‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وتدفع‭ ‬“مجدل‭ ‬شمس”‭ ‬اليوم‭ ‬بالدم‭ ‬ثمن‭ ‬تمسكها‭ ‬بهويتها‭ ‬العربية،‭ ‬فما‭ ‬أصابها‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬الجولان‭ ‬وعلى‭ ‬سوريا،‭ ‬أهل‭ ‬المجدل‭ ‬الذين‭ ‬بقوا‭ ‬مخرزا‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الاحتلال،‭ ‬الاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬اختبأ‭ ‬وراء‭ ‬جدار‭ ‬إنكار‭ ‬مسؤوليته‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬ضد‭ ‬أطفال‭ ‬المجدل‭ ‬الذين‭ ‬امتزجت‭ ‬دماؤهم‭ ‬بدماء‭ ‬شهداء‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭. ‬وقال‭ ‬أهالي‭ ‬الشهداء‭ ‬والمصابين‭ (‬إنهم‭ ‬لن‭ ‬يساوموا‭ ‬على‭ ‬دماء‭ ‬أحرارهم،‭ ‬ولن‭ ‬يسمحوا‭ ‬لأحد‭ ‬بذلك‭)‬،‭ ‬لأنهم‭ ‬مؤمنون‭ ‬بعروبتهم‭ ‬وانتمائهم‭ ‬لأرضهم،‭ ‬وبأنهم‭ ‬يساندون‭ ‬حق‭ ‬فلسطين‭ ‬العربي،‭ ‬ويتوحدون‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬تحريرها،‭ ‬فالمجدل‭ ‬والقدس‭ ‬وكل‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬المحتلة‭ ‬قضيتها‭ ‬واحدة‭. ‬وأثناء‭ ‬تشييع‭ ‬جثامين‭ ‬الشهداء‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬تذهب‭ ‬باتجاه‭ ‬مختلف،‭ ‬فقد‭ ‬وحد‭ ‬هذا‭ ‬التشييع‭ ‬أهالي‭ ‬“مجدل‭ ‬شمس”‭ ‬وكل‭ ‬الجولان،‭ ‬والذين‭ ‬تمنوا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دم‭ ‬أطفالهم‭ ‬قربانا‭ ‬لتحقيق‭ ‬السلام‭ ‬المنشود‭ ‬لكل‭ ‬أطفال‭ ‬المنطقة‭.‬

فأهالي‭ ‬الجولان‭ ‬ينظرون‭ ‬لأنفسهم‭ ‬“كدروز”‭ ‬وسوريين‭ ‬يطمحون‭ ‬لحياة‭ ‬حُرة‭ ‬في‭ ‬وطنهم‭ ‬كباقي‭ ‬البشر،‭ ‬ويقولون (‬مازلنا‭ ‬وفقًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬مواطنين‭ ‬عربا‭ ‬سوريين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬محتلة،‭ ‬ولم‭ ‬نغيّر‭ ‬جلدنا‭). ‬وقالت‭ ‬“الهيئة‭ ‬الدينية‭ ‬والزمنية”‭ ‬في‭ ‬الجولان‭ ‬السوري‭ (‬نرفض‭ ‬أن‭ ‬تُراق‭ ‬قطرة‭ ‬دم‭ ‬واحدة‭ ‬تحت‭ ‬مُسمى‭ ‬الانتقام‭ ‬لأطفالنا،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬يشهد‭ ‬لنا‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬ومازلنا‭ ‬دُعاة‭ ‬سلام‭ ‬ووئام‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬والأُمم‭ ‬حيث‭ ‬تُحرم‭ ‬عقيدتنا‭ ‬القتل‭ ‬والانتقام‭ ‬بأية‭ ‬صفة‭ ‬أو‭ ‬هدف.

كاتب‭ ‬وتربوي‭ ‬بحريني‭ ‬