الألعاب ومعضلة الانسحاب

| عطا السيد الشعراوي

جدل‭ ‬قديم‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬بطولة‭ ‬عالمية‭ ‬مفتوحة‭ ‬لجميع‭ ‬الدول‭ ‬والجنسيات‭ ‬عما‭ ‬يجب‭ ‬فعله‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬احتمال‭ ‬مواجهة‭ ‬لاعب‭ ‬عربي‭ ‬ضد‭ ‬آخر‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الغالب‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬الانسحاب‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬المواجهة،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الجزائري‭ ‬رضوان‭ ‬مسعود‭ ‬دريس،‭ ‬المصنف‭ ‬13‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬وزن‭ ‬تحت‭ ‬73‭ ‬كيلوغراما‭ ‬للرجال،‭ ‬والذي‭ ‬آثر‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬منافسات‭ ‬الجودو‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬لاعب‭ ‬إسرائيلي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬أولمبياد‭ ‬طوكيو‭ ‬2021‭ ‬في‭ ‬معاقبة‭ ‬اللاعب‭ ‬الجزائري‭ ‬أيضًا‭ ‬فتحي‭ ‬نورين‭ ‬عندما‭ ‬انسحب‭ ‬من‭ ‬مواجهته،‭ ‬فتم‭ ‬إيقافه‭ ‬لمدة‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬وقرر‭ ‬اعتزال‭ ‬اللعبة‭. ‬كثيرون‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الانسحاب‭ ‬موقفًا‭ ‬بطوليًا‭ ‬يجب‭ ‬التصفيق‭ ‬له‭ ‬ودعمه‭ ‬وتشجيعه‭ ‬واستمراره‭ ‬باعتباره‭ ‬مظهرًا‭ ‬للرفض،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬اكتساب‭ ‬الاحترام‭ ‬أهم‭ ‬وأفضل‭ ‬من‭ ‬الفوز‭ ‬بالبطولات‭ ‬والألقاب،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬خلاف‭ ‬عليه،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عما‭ ‬جنيناه‭ ‬فعليا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانسحابات‭ ‬المتكررة‭ ‬أمام‭ ‬الخصوم‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬وإفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمامهم‭ ‬للصعود‭ ‬دون‭ ‬عناء‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬منهم‭ ‬مصنفون‭ ‬في‭ ‬مراتب‭ ‬متأخرة‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬تصنيف‭ ‬اللاعبين‭ ‬العرب‭.‬

هناك‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬هائل‭ ‬على‭ ‬اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬يضعه‭ ‬القدر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬خصم‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬فهو‭ ‬يشعر‭ ‬يقينًا‭ ‬بإخوانه‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتؤلمه‭ ‬معاناتهم‭ ‬ويتعاطف‭ ‬معهم،‭ ‬ويدرك‭ ‬أنه‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يخاطر‭ ‬بمستقبله‭ ‬الرياضي‭ ‬إما‭ ‬طوعًا‭ ‬أو‭ ‬كرهًا‭ ‬بفعل‭ ‬ضغوط‭ ‬الملايين‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬محل‭ ‬هذا‭ ‬الرياضي‭ ‬لما‭ ‬قررت‭ ‬الانسحاب‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬مستقبلها‭ ‬ومصدر‭ ‬دخلها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬باتت‭ ‬الرياضة‭ ‬مهنة‭ ‬لمن‭ ‬يمارسها‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬غيرها‭. ‬أليس‭ ‬من‭ ‬الأجدى‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬اللاعبون‭ ‬العرب‭ ‬خيار‭ ‬الانسحاب‭ ‬أمام‭ ‬خصومهم‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬ويقررون‭ ‬المواجهة‭ ‬ويصرون‭ ‬على‭ ‬الفوز،‭ ‬ولاسيما‭ ‬أن‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬الدوافع‭ ‬والعوامل‭ ‬النفسية‭ ‬ما‭ ‬يمنحهم‭ ‬قوة‭ ‬إضافية‭ ‬لقهر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الخصوم‭ ‬وإقصائهم‭ ‬من‭ ‬البطولات‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تعبيد‭ ‬الطرق‭ ‬أمام‭ ‬تتويجهم‭. ‬لو‭ ‬قرأت‭ ‬خبرًا‭ ‬عن‭ ‬فوز‭ ‬لاعب‭ ‬عربي‭ ‬على‭ ‬خصمه‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬إسعادًا‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬الانسحاب،‭ ‬بخلاف‭ ‬دلالاته‭ ‬الرياضية‭ ‬بإثبات‭ ‬تفوقنا‭ ‬العربي،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬الأبطال‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬نعدهم‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬ويكبدوننا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المال‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني