إجابات الذكاء الصناعي بالعربية.. بضاعتنا ردت إلينا

| ياسر سليم

سألت‭ ‬أداة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬عن‭ ‬مقولة‭ ‬مأثورة،‭ ‬فنسبتها‭ ‬مرة‭ ‬لنبي،‭ ‬وأخرى‭ ‬لصحابي،‭ ‬قلت‭ ‬لصديق‭ ‬لي‭ ‬لو‭ ‬سألت‭ ‬أداة‭ ‬أخرى‭ ‬لنسبتها‭ ‬لشخص‭ ‬ثالث‭.‬

يسارع‭ ‬البعض‭ ‬لاتهام‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬بالغباء،‭ ‬فيما‭ ‬يتبنى‭ ‬آخرون‭ ‬نظرية‭ ‬المؤامرة‭. ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬أعقد‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬عليه،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الأداة،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬غذيناها‭ ‬به،‭ ‬هناك‭ ‬مثل‭ ‬عربي‭ ‬شعبي‭ ‬يقول‭ ‬“اطبخي‭ ‬يا‭ ‬جارية‭.. ‬كلف‭ ‬يا‭ ‬سيدي”،‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬الخادمة‭ ‬لن‭ ‬تقدم‭ ‬إلا‭ ‬مما‭ ‬يوفره‭ ‬لها‭ ‬سيدها،‭ ‬بمعنى‭ ‬أوضح‭: ‬لن‭ ‬يطبخ‭ ‬لك‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬إلا‭ ‬مما‭ ‬تغذيه‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬معلومات‭ ‬وبيانات،‭ ‬وهنا‭ ‬مكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬العربية‭ ‬تحديدا‭.‬

جرب‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬شات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭ ‬ChatGPT‭ ‬أو‭ ‬جيمني‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬اللغوي‭ ‬التوليدي‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬ما‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ثم‭ ‬اسأله‭ ‬نفس‭ ‬الأسئلة‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬مثلا‭.‬

الإجابات‭ ‬العربية‭ ‬ستتضمن‭ ‬أخطاء‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬المراجع‭ ‬والكتب،‭ ‬ستتجرأ‭ ‬الأداة‭ ‬وتعطيك‭ ‬عناوين‭ ‬وهمية،‭ ‬وستورد‭ ‬لك‭ ‬أقوال‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومفكرين‭ ‬لم‭ ‬يتفوهوا‭ ‬بها‭ ‬يوما،‭ ‬بل‭ ‬سيضحكون‭ ‬من‭ ‬نسبتها‭ ‬إليهم‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬أحياء،‭ ‬خذ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أفدح‭ ‬وأقبح‭: ‬ستتمادى‭ ‬وتخترع‭ ‬أسماء‭ ‬كُتاب‭ ‬وعلماء‭ ‬لم‭ ‬يولدوا‭ ‬بعد‭.‬

ستجد‭ ‬ترهلا‭ ‬سمينا‭ - ‬لا‭ ‬ثمينا‭ - ‬في‭ ‬الصياغة‭ ‬الركيكة،‭ ‬وحشوا‭ ‬مبتذلا‭ ‬من‭ ‬العبارات‭ ‬الفاقدة‭ ‬للمعنى‭ ‬والدلالة‭.‬

الطريف‭ ‬أنك‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تواجه‭ ‬الأداة‭ ‬بفشلها‭ ‬وكذبها،‭ ‬تعترف‭ ‬لك‭ ‬فورا،‭ ‬وتعتذر‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬متذرعة‭ ‬بأنها‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لغوية‭ ‬قيد‭ ‬التطوير‭ ‬والتحديث‭.‬

على‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى،‭ ‬جرب‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬ستجيبك‭ ‬بثبات‭ ‬وثقة‭ ‬إجابات‭ ‬صحيحة‭ ‬المعلومات،‭ ‬محكمة‭ ‬الدقة،‭ ‬متماسكة‭ ‬الصياغة‭.‬

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك؟‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأداة‭ ‬استعانت‭ ‬بمحتوى‭ ‬عربي‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬ضئيل‭ ‬وضعيف‭ ‬وركيك‭ ‬وغير‭ ‬دقيق،‭ ‬خصوصا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمعلومات‭ ‬الفنية‭ ‬والعلمية‭.‬

أذكر‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬عملي‭ ‬محررا‭ ‬لشؤون‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات،‭ ‬أن‭ ‬معضلة‭ ‬قلة‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬وانخفاض‭ ‬جودته،‭ ‬كانت‭ ‬محل‭ ‬مناقشات‭ ‬مطولة‭ ‬بين‭ ‬المتخصصين،‭ ‬وكان‭ ‬الفنيون‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الهيئات‭ ‬الرسمية‭ ‬المسؤولة‭ ‬أو‭ ‬الشركات‭ ‬المختصة‭ ‬بالبنية‭ ‬الأساسية‭ ‬ومزودي‭ ‬الحلول،‭ ‬يدافعون‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬بالمثل‭ ‬الشعبي‭ ‬السابق‭ ‬ذكره،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬متعلق‭ ‬بمدى‭ ‬الإنتاج‭ ‬المتوافر‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬المطلوب‭ ‬لتغذية‭ ‬الشبكة‭ ‬به،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالواقع‭ ‬العربي‭ ‬عموما‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنشطته‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية‭.  ‬

ما‭ ‬يولده‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬هو‭ ‬محصلة‭ ‬ما‭ ‬تغذت‭ ‬به‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية،‭ ‬وتلك‭ ‬بدورها‭ ‬انعكاس‭ ‬افتراضي‭ ‬للواقع‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فأي‭ ‬حال‭ ‬للواقع‭ ‬العربي‭ ‬العلمي‭ ‬والثقافي‭ ‬الراهن؟‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬سنحصله‭ ‬من‭ ‬عون‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬لنا‭.‬

باختصار،‭ ‬هي‭ ‬بضاعتنا‭ ‬رُدت‭ ‬إلينا‭.‬ ‭* ‬كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي