قصة “العشاء الأخير”

| أسامة مهران

لم‭ ‬تكن‭ ‬دراما‭ ‬أنجيلية،‭ ‬أو‭ ‬آلهة‭ ‬“تحت‭ ‬التمرين”‭ ‬وفقاً‭ ‬للأساطير‭ ‬اليونانية،‭ ‬لكنها‭ ‬جريمة‭ ‬بجميع‭ ‬مقاييس‭ ‬الصراع‭ ‬العقائدي‭ ‬الوجودي،‭ ‬بين‭ ‬يهوذا‭ ‬الإسخريوطي‭ ‬السيد‭ ‬المسيح،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬تصوير‭ ‬مشهد‭ ‬“العشاء‭ ‬الأخير”‭ ‬الذي‭ ‬جسدته‭ ‬لوحة‭ ‬الفنان‭ ‬الإيطالي‭ ‬“ليوناردو‭ ‬دافنشي”‭ ‬بحركات‭ ‬الشواذ‭ ‬أو‭ ‬المتحولين‭ ‬جنسياً‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬افتتاح‭ ‬أولمبياد‭ ‬باريس‭ ‬يوليو‭ ‬2024‭. ‬الكنيسة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬تحتج،‭ ‬و”الإنجيلية”‭ ‬تقدم‭ ‬قرابين‭ ‬التوبة‭ ‬على‭ ‬خطايا‭ ‬المنظمين،‭ ‬أما‭ ‬الحكومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬فتهب‭ ‬موقع‭ ‬القريتين‭ ‬الأولمبية‭ ‬والبارلمبية‭ ‬للمعوزين‭ ‬“إسكانيا”‭.‬

خلطة‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬اليهودية‭ ‬العليا،‭ ‬والامبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬الحالمة،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬تلك‭ ‬الهزة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬“الملتزمين”‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬المتحولون‭ ‬جنسياً‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬تصوير‭ ‬شخوص‭ ‬لوجه‭ ‬“العشاء‭ ‬الأخير”‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬قتل‭ ‬وصلب‭ ‬السيد‭ ‬المسيح،‭ ‬بحركات‭ ‬إباحية‭ ‬للنيل‭ ‬من‭ ‬هيبة‭ ‬قداسته،‭ ‬وطبيعة‭ ‬رسالته‭. ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬“اللعب‭ ‬بالنار”‭ ‬أصبح‭ ‬تقليداً‭ ‬أوروبياً‭ ‬متهافتاً‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات،‭ ‬ترويج‭ ‬لمثليين،‭ ‬أو‭ ‬إهانة‭ ‬لأنبياء،‭ ‬أو‭ ‬نيل‭ ‬من‭ ‬حرمة‭ ‬تاريخ‭. ‬فريق‭ ‬يفكر‭ ‬باسم‭ ‬اليسار‭ ‬الأوروبي‭ ‬الآفل‭ ‬نجمه،‭ ‬وآخر‭ ‬يبارزه‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أقوم،‭ ‬فلا‭ ‬الآفل‭ ‬يعود‭ ‬نجمه‭ ‬إلى‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬العٌلا،‭ ‬ولا‭ ‬المؤمن‭ ‬برسالة‭ ‬الأنبياء‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭ ‬المزري‭. ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يرفعون‭ ‬شعار‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬“ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية”‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم‭ ‬الذين‭ ‬يُسقطون‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬بلمس‭ ‬الأكتاف،‭ ‬ويهزمونها‭ ‬هزيمة‭ ‬نكراء‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬أحدث‭ ‬أولمبياد‭ ‬في‭ ‬العصر‭. ‬قامت‭ ‬الدنيا‭ ‬ولم‭ ‬تقعد،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬شخوص‭ ‬لوحة‭ ‬دافنشي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬لأن‭ ‬العشاء‭ ‬الأخير‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬عشاء‭ ‬أخيراً‭ ‬بعد‭ ‬قتل‭ ‬السيد‭ ‬المسيح،‭ ‬لكن‭ ‬لأنها‭ ‬المهمة‭ ‬الدينية‭ ‬والدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬ومحاولة‭ ‬حماية‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬المعتقد‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الكنيسة‭ ‬بتفرعاتها‭ ‬وايماناتها،‭ ‬وإيماءاتها‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭ ‬الذي‭ ‬وجه‭ ‬رسالة‭ ‬شديدة‭ ‬اللهجة‭ ‬لمنظمي‭ ‬حفل‭ ‬افتتاح‭ ‬الأولمبياد،‭ ‬متهما‭ ‬إياهم‭ ‬بالاعتداء‭ ‬السافر‭ ‬على‭ ‬المقدسات،‭ ‬ومحاولة‭ ‬هدم‭ ‬الأديان،‭ ‬والإساءة‭ ‬لرموزها‭ ‬الكرام‭.‬

وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وزيرها‭ ‬الجديد‭ ‬الدكتور‭ ‬أسامة‭ ‬الأزهري،‭ ‬مضت‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته‭ ‬متهمة‭ ‬المنظمين‭ ‬بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الهزلي‭ ‬العلماني‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬الأديان‭ ‬والأنبياء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعامل‭ ‬معهم‭ ‬وكأنهم‭ ‬بشر‭ ‬عاديون،‭ ‬يرقصون،‭ ‬ويتمايلون‭ ‬ويشبه‭ ‬لهم‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬التقاليد‭ ‬والأخلاق‭ ‬والقانون‭.‬

الفلاسفة‭ ‬العرب‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم،‭ ‬خصوصا‭ ‬الشيوعيون‭ ‬المتقاعدون،‭ ‬شنوا‭ ‬حملة‭ ‬شعواء‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والصحف‭ ‬المتاحة‭ ‬ضد‭ ‬الرأسمالية‭ ‬“المفلسة”‭ ‬بل‭ ‬وضد‭ ‬رموزها‭ ‬وحملة‭ ‬مباخرها،‭ ‬والمدافعين‭ ‬عن‭ ‬صروحها‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الباهتة،‭ ‬ثم‭ ‬ربط‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬بالحالة‭ ‬الدينية‭ ‬“المتهالكة”‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬أوروبا،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحترم‭ ‬ديناً‭ ‬سماوياً‭ ‬ولا‭ ‬تقليداً‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬ولا‭ ‬معتقداً‭ ‬إنسانياً‭.‬

وصفت‭ ‬إحدى‭ ‬الكاتبات‭ ‬قضية‭ ‬“أوبريت”‭ ‬العشاء‭ ‬الأخير،‭ ‬بأنه‭ ‬دليل‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬حضارة‭ ‬الغرب،‭ ‬وبدء‭ ‬ترويج‭ ‬حضارة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬بقيادة‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وعسكرياً،‭ ‬ثقافياً‭ ‬وعلمياً،‭ ‬حيث‭ ‬“العشاء‭ ‬الأخير”‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬أخيراً،‭ ‬وقتل‭ ‬أو‭ ‬صلب‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬قرباناً‭ ‬مثيراً،‭ ‬لأن‭ ‬يهوذا‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬مازال‭ ‬يقتل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بدم‭ ‬بارد،‭ ‬ومازال‭ ‬“التلاميذ”‭ ‬والحواريون‭ ‬يقفون‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬واحدة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يؤمنون‭ ‬به‭ ‬ومن‭ ‬يكفرون‭ ‬بجرائمه‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية