تحرير الفضاء العام من تسلط الغوغائية

| كمال الذيب

وردني‭ ‬تعقيب‭ ‬لأحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬المقالات‭ ‬السابقة‭ ‬حول‭ ‬أزمة‭ ‬الخطاب‭ ‬العربي‭. ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬مختصره‭: ‬“أتفق‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬إشكالية‭ ‬الخطاب‭ ‬العربي‭ ‬ونزوعه‭ ‬نحو‭ ‬المعارضة‭ ‬المطلقة،‭ ‬أو‭ ‬الامتثالية‭ ‬الكاملة،‭ ‬وهذا‭ ‬التشخيص‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬دعوة‭ ‬لإرساء‭ ‬الحداثة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬الحرية‭ ‬وإطلاق‭ ‬الطاقات‭ ‬لتطوير‭ ‬مجتمعاتنا‭.. ‬لكنني‭ ‬أحببتُ‭ ‬إيراد‭ ‬تدقيق‭ ‬لابد‭ ‬منه،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬أغلب‭ ‬الناس‭ ‬عندنا،‭ ‬وليس‭ ‬النخب‭ ‬فحسب‭. ‬الناس‭ ‬ينقسمون‭ ‬بين‭ ‬معارضة‭ ‬مطلقة‭ ‬و”امتثالية‭ ‬كاملة”،‭ ‬وقل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الوسط،‭ ‬ودور‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬مادام‭ ‬يتحرك‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الآيديولوجي،‭ ‬لذلك‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬يحسد‭ ‬عليه‭. ‬فيحسبه‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬وما‭ ‬يستتبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬وأثمان‭ ‬باهظة؛‭ ‬وقد‭ ‬يتصدى‭ ‬له‭ ‬المتصارعون‭ ‬ويهاجمونه‭ ‬وينهشونه‭ ‬نهشا،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬مارس‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬نقدي‭ ‬تنويري‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بتقبل‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭. ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬المثقف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬النقد‭ ‬مثلما‭ ‬يقول‭ ‬المسرحي‭ ‬الإيطالي‭ ‬داريو‭ ‬فو‭: ‬“إن‭ ‬مهمة‭ ‬الكاتب‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يزعج‭ ‬الآخرين”‭. ‬لذلك‭ ‬نحتاج‭ ‬بالضرورة‭ ‬تربية‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬الشعبوية‭ ‬الجوفاء‭ ‬أو‭ ‬الاتباعية‭ ‬السلبية‭. ‬

قلت‭ ‬للصديق‭: ‬بالفعل‭ ‬إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬المعارضة‭ ‬التامة‭ ‬أو‭ ‬الولاء‭ ‬التام،‭ ‬صفتان‭ ‬في‭ ‬الشعوب‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬النخب‭ ‬فحسب‭. ‬فنحن‭ ‬حالة‭ ‬انقسامية‭ ‬بشكل‭ ‬مرعب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا،‭ ‬لذلك‭ ‬يسهل‭ ‬اختراقنا‭ ‬وضرب‭ ‬صفوفنا‭ ‬كعرب‭. ‬هذا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة،‭ ‬في‭ ‬الخيارات‭ ‬والسياسات،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬ندور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة،‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حسم‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬عديدة‭ ‬مثل‭ ‬الحرية‭ - ‬الديمقراطية،‭ ‬العقلانية،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬الأجيال‭ ‬الفكر‭ ‬الناقد‭ ‬والقبول‭ ‬بالرأي‭ ‬الآخر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬نحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬تسلط‭ ‬الغوغائية‭ ‬التي‭ ‬تزرع‭ ‬الجهل‭ ‬والتخلف‭ ‬وتحجر‭ ‬التفكير‭ ‬الحر‭. ‬فالشعوب‭ ‬الحية‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭ ‬وحققت‭ ‬فتوحات‭ ‬مذهلة،‭ ‬لأنها‭ ‬حررت‭ ‬الإنسان‭ ‬وعقله،‭ ‬وكل‭ ‬فم‭ ‬مكمم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حرق‭ ‬الكتب‭ ‬عندنا‭ ‬طقسا‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬المحببة‭! ‬ولله‭ ‬في‭ ‬خلقه‭ ‬شؤون‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني