سقوط نظرية “تأنيث المستقبل”

| كمال الذيب

إلى‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬بعيدا‭ ‬كنت‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأهمية‭ ‬نظرية‭ ‬المفكر‭ ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما‭ ‬حول‭ ‬“الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تأنيث‭ ‬المستقبل”؛‭ ‬ودعوته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬“يصبح‭ ‬مصير‭ ‬العالم‭ ‬بين‭ ‬أيدي‭ ‬نساء؛‭ ‬لأنهن‭ ‬يفتقدن‭ ‬إلى‭ ‬الخشونة‭ ‬والعدوانية‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬الذكور‭.. ‬وأن‭ ‬تأنيث‭ ‬العلاقات‭ ‬الدوليّة‭ ‬سيُضيِّق‭ ‬الفرصة‭ ‬أمام‭ ‬الحروب‭ ‬التدميرية‭..‬”،‭ ‬لاسيَّما‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الديمقراطيّة‭ ‬أصبحت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القرار‭.‬

كنت‭ ‬بالفعل‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الرأي،‭ ‬حتى‭ ‬استمعت‭ ‬مؤخرا‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬السيدة‭ ‬أورسولا‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أمام‭ ‬البرلمان‭ ‬الأوروبي،‭ ‬فأيقنت‭ ‬بسقوط‭ ‬نظرية‭ ‬تأنيث‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬المتفائل‭. ‬فها‭ ‬هنا‭ ‬نظرة‭ ‬عسكرية‭ ‬صارمة‭ ‬تجاه‭ ‬معالجة‭ ‬الصراع‭ ‬الروسي‭ - ‬الأوكراني‭ ‬عبر‭ ‬العسكرة‭: ‬بزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري،‭ ‬وتحويل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬دفاعي‭ ‬عسكري،‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬التجنيد‭ ‬الإجباري،‭ ‬مع‭ ‬نغمة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬تصعيد‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬ورفض‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التفاوض،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬التفاوض‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الشعبين‭ ‬الشقيقين‭ ‬الروسي‭ ‬والأوكراني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المجزرة‭ ‬المفتوحة‭. ‬ولأن‭ ‬المثال‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بحرب‭ ‬جارية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نستعرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬النسائية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬صلابة‭ ‬وقوة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الدّامي،‭ ‬مثل‭ ‬رئيسة‭ ‬وزراء‭ ‬لاتفيا،‭ ‬ورئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬الإستونية،‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬استقالتها‭ ‬مؤخرا‭ ‬لتتولى‭ ‬مسؤولية‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ورئيسة‭ ‬وزراء‭ ‬جمهورية‭ ‬ليتوانيا‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬و‭ ‬”إرسال‭ ‬قوات‭ ‬غربية‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا‭ ‬دون‭ ‬تردد”‭. ‬إنها‭ ‬مجرد‭ ‬أمثلة‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬بعض‭ ‬القيادات‭ ‬النسائية‭ ‬الغربية‭ ‬للحرب‭ ‬وهي‭ ‬محك‭ ‬نظرية‭ ‬تأنيث‭ ‬المستقبل،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬القيادات‭ ‬النسائية‭ ‬صلابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صلابة‭ ‬قساة‭ ‬الرجال‭. ‬فالمرأة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬رأفة‭ ‬من‭ ‬الرجل،‭ ‬ولا‭ ‬أكثر‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحروب،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬الذكوريَّة‭ ‬في‭ ‬المُؤسَّسة‭ ‬العسكريَّة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬ثقافة‭ ‬الحروب،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬الكاتبة‭ ‬الأميركية‭ ‬كارول‭ ‬كوهن‭. ‬والمسألة‭ ‬برمتها‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بجنس‭ ‬المسؤول،‭ ‬امرأة‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬رجلا،‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمواجهة‭ ‬قضايا‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام،‭ ‬بل‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمنصب‭ ‬والوظيفة‭ ‬والرؤية‭ ‬الآيديولوجية‭ ‬الناظمة‭ ‬للمواقف‭ ‬ومدى‭ ‬الشرعية‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬المسؤول‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الديمقراطية‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني