التجارة الرقمية... من لا يتطور ينقرض

| د. خالد الوزني

تُشير‭ ‬الإحصاءات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬التجارة‭ ‬الرقمية،‭ ‬أو‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬حجمها‭ ‬الكلي‭ ‬نحو‭ ‬6‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬وإنّ‭ ‬العامين‭ ‬الماضيين‭ ‬شهدا‭ ‬زيادة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬تلك‭ ‬التجارة،‭ ‬بما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬20‭ %. ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬اليوم‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬صينية‭ ‬وأميركية،‭ ‬مثل‭ ‬أمازون‭ ‬Amazon‭ ‬وعلي‭ ‬بابا‭ ‬Alibaba‭ ‬وإي‭ ‬باي‭ ‬eBay،‭ ‬باتت‭ ‬تسيطر‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬50‭ % ‬منها،‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬بعدها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بنحو‭ ‬17‭ %‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بنسب‭ ‬أقل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بريطانيا،‭ ‬واليابان،‭ ‬وألمانيا‭. ‬التجارة‭ ‬الرقمية،‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة‭ ‬عبر‭ ‬التطبيقات‭ ‬المختلفة‭ ‬تشكل‭ ‬اليوم‭ ‬تحديا‭ ‬كبيرا‭ ‬لعدد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬التقليديين،‭ ‬الذين‭ ‬يرزحون‭ ‬في‭ ‬محالهم‭ ‬ينتظرون‭ ‬مرور‭ ‬الزبائن‭ ‬الذين‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يتفحصون‭ ‬نوافذ‭ ‬العرض‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يشترون‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬الرقمية‭ ‬الإلكترونية‭ ‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬مجال‭ ‬واسع‭ ‬للتصفح،‭ ‬والتحفيز‭ ‬على‭ ‬الشراء،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬التداول‭ ‬عليها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬فهي‭ ‬اليوم‭ ‬تشكل‭ ‬25‭ % ‬من‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬الكلية‭ ‬عالمياً،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬تتطور‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭ ‬قد‭ ‬تجعلها‭ ‬الأكثر‭ ‬سيطرة‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬الأجل‭ ‬المتوسط،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬مستهلكي‭ ‬المستقبل‭ ‬هم‭ ‬ممن‭ ‬يُعرَفون‭ ‬بأجيال‭ ‬“زد”،‭ ‬وأجيال‭ ‬“ألفا”،‭ ‬أي‭ ‬المولودين‭ ‬بين‭ ‬الفترات‭ ‬1995‭-‬2009،‭ ‬و2010‭- ‬اليوم‭. ‬وهم‭ ‬أجيال‭ ‬يعتبرون‭ ‬الرقمنة‭ ‬والتقنيات‭ ‬ضرورات‭ ‬حياة،‭ ‬المرجع‭ ‬الوحيد‭ ‬للمعرفة،‭ ‬والتطور،‭ ‬والحداثة‭. ‬الشاهد‭ ‬مما‭ ‬سبق،‭ ‬أن‭ ‬تذمر‭ ‬بعض‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬انخفاض‭ ‬مستوي‭ ‬مبيعاتهم،‭ ‬ومطالبتهم‭ ‬للحكومات‭ ‬بتقييد‭ ‬التجارة‭ ‬الرقمية،‭ ‬ووضع‭ ‬إجراءات‭ ‬وعراقيل‭ ‬عليها،‭ ‬بدعوة‭ ‬استثماراتهم،‭ ‬وتشغيلهم‭ ‬للقوى‭ ‬العاملة،‭ ‬وصرفهم‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وغيرها،‭ ‬هي‭ ‬مطالبات‭ ‬لن‭ ‬تجدي‭ ‬نفعاً،‭ ‬لأن‭ ‬تطور‭ ‬الرقمنة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أمرٌ‭ ‬عابرٌ‭ ‬للحدود،‭ ‬ومخترقٌ‭ ‬لكل‭ ‬قواعد‭ ‬العرف‭ ‬التقليدي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬المستشرفين‭ ‬للمستقبل‭ ‬من‭ ‬التجار،‭ ‬صغيرهم‭ ‬وكبيرهم،‭ ‬منتجهم،‭ ‬وموزعهم،‭ ‬تحول‭ ‬نحو‭ ‬الرقمنة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬شبكة‭ ‬أعماله‭ ‬عبر‭ ‬التطبيقات‭ ‬الخاصة،‭ ‬وعبر‭ ‬استخدامات‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولجأ‭ ‬إلى‭ ‬التسويق،‭ ‬بل‭ ‬والترويج،‭ ‬والتوصيل‭ ‬المجاني،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬يوفرها،‭ ‬وهي‭ ‬كثيرة،‭ ‬بل‭ ‬وأعظم‭ ‬في‭ ‬مردودها،‭ ‬وتنوعها،‭ ‬مما‭ ‬اعتاد‭ ‬عليه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التجار‭. ‬والقناعة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سيقاوم‭ ‬التطوير‭ ‬سيخرج‭ ‬من‭ ‬اللعبة،‭ ‬سينقرض،‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬تاجر‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الرقمنة‭ ‬عدوه،‭ ‬وأنها‭ ‬تأكل‭ ‬من‭ ‬حصته،‭ ‬أمامه‭ ‬خياران،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬لخدمة‭ ‬من‭ ‬البقية‭ ‬الباقية‭ ‬ممن‭ ‬يجوبون‭ ‬الأسواق،‭ ‬مشترين‭ ‬أو‭ ‬متفرجين،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬وينقرض‭ ‬ويخسر‭ ‬تاريخه‭ ‬وسجله‭ ‬التجاري،‭ ‬مقولة‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يتطور‭ ‬ينقرض‭ ‬قائمة‭ ‬اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬كافة‭ ‬المجالات‭ ‬والفضاءات،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬