شكرا نور

| سليم مصطفى بودبوس

لم‭ ‬أخطّط‭ ‬لذلك،‭ ‬ولم‭ ‬أفكّر‭ ‬به؛‭ ‬فأنا‭ ‬أصلا‭ ‬حديث‭ ‬عهد‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؛‭ ‬ولاسيما‭ ‬الفيسبوك‭ ‬والتيك‭ ‬توك‭ ‬وغيرها‭.. ‬لكن‭ ‬شاءت‭ ‬الصدف‭ - ‬ولمدة‭ ‬أسبوعين‭ - ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬هاتفي‭ ‬الجوال‭ ‬وعن‭ ‬الحاسوب‭ ‬وغيره‭. ‬وهنا‭ ‬استحضرْتُ‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أراوغها‭ ‬وأتجنَّب‭ ‬الجواب‭ ‬عليها‭: ‬هل‭ ‬صرت‭ ‬مُدمِنا‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬الإقلاع‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬الفيسبوك؟‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬أتفاعل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬منشور‭ ‬ولاسيما‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأقارب؟‭ ‬أسئلة‭ ‬لطالما‭ ‬أحدثت‭ ‬ضجيجا‭ ‬في‭ ‬تفكيري‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أحدثته‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

أمّا‭ ‬أن‭ ‬يُتيح‭ ‬لك‭ ‬القدر‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬تجرّب‭ ‬الإقلاع‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل،‭ ‬فتلك‭ ‬متعة‭ ‬لا‭ ‬تعادلها‭ ‬متعة؛‭ ‬فقد‭ ‬وَجَدْتُني‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭ ‬أعيش‭ ‬اللحظة‭ ‬وأستمتع‭ ‬بالمشهد،‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الإسبان‭ ‬حيث‭ ‬أقضي‭ ‬عطلتي‭ ‬من‭ ‬برشلونة‭ ‬إلى‭ ‬مُرسية‭ ‬مرورا‭ ‬بفالنسيا‭ ‬وأليكنتي‭ ‬وكارتخينا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬والسواحل‭ ‬والغابات‭ ‬الساحرة،‭ ‬وَجَدْتُني‭ ‬حرّا‭ ‬طليقا‭ ‬كطيف‭ ‬النسيم‭ ‬لا‭ ‬أبالي‭ ‬بتعليق‭ ‬هذا‭ ‬ومجاملة‭ ‬تلك،‭ ‬وَجَدْتُني‭ ‬أنا‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬أسرتي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ضغوطات‭ ‬المناشير‭ ‬الفيسبوكية‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬وأخبار‭ ‬الموت‭ ‬ومشاهد‭ ‬الرعب،‭ ‬فحتّى‭ ‬رصاصة‭ ‬“ترامب”‭ (‬الطائشة‭!) ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬تقصف‭ ‬أذنه‭ ‬وتعصف‭ ‬بعمره‭ ‬السياسي‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬عنها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭. ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لم‭ ‬ينقصن‭ ‬شيء‭ ‬ذو‭ ‬بال،‭ ‬لربّما‭ ‬بعض‭ ‬أخبار‭ ‬النجاحات‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬أخبار‭ ‬الوفيات‭ ‬لمن‭ ‬نعتزّ‭ ‬بصداقتهم‭ ‬الافتراضية‭ ‬والواقعية،‭ ‬فقط،‭ ‬نعم‭ ‬أقول‭ ‬فقط‭.. ‬أما‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬فاتني‭ ‬مما‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬الحياة،‭ ‬إنّما‭ ‬غنمت‭ ‬وقتي،‭ ‬كل‭ ‬وقتي‭ ‬في‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بإجازتي‭ ‬العائلية‭. ‬وزال‭ ‬ذلك‭ ‬الوهم‭ ‬الذي‭ ‬لربّما‭ ‬تلبّسني،‭ ‬الوهم‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬لا‭ ‬أُنكر‭ ‬أبدا‭ ‬فضلها‭ ‬في‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء‭ ‬ممن‭ ‬فرّقهم‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬ولا‭ ‬أنكر‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نقاشات‭ ‬فكرية‭ ‬راقية‭ ‬بين‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أنكر‭ ‬أيضا‭ ‬دورها‭ - ‬إذا‭ ‬أحسنت‭ ‬الغربلة‭ - ‬في‭ ‬تقصّي‭ ‬الأخبار‭ ‬والحقائق‭.‬

لكنّ‭ ‬وقتا‭ ‬ثمينا‭ ‬من‭ ‬يومنا‭ ‬وليلنا‭ ‬قد‭ ‬يذهب‭ ‬سُدًى‭ ‬وراء‭ ‬استدراج‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬للسمع‭ ‬والبصر‭ ‬والقلب،‭ ‬فماذا‭ ‬لو‭ ‬تذكّرنا‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬“إِنَّ‭ ‬السَّمْعَ‭ ‬وَالْبَصَرَ‭ ‬وَالْفُؤَادَ‭ ‬كُلُّ‭ ‬أُوْلَئِكَ‭ ‬كَانَ‭ ‬عَنْهُ‭ ‬مَسْؤولًا”‭. (‬الإسراء‭: ‬36‭).‬

نعم‭ ‬لم‭ ‬أخطّطْ‭ ‬لأترك‭ ‬هاتفي‭ ‬حين‭ ‬سافرت،‭ ‬لذا‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ (‬شكرا‭ ‬نور‭)‬؛‭ ‬لأنّ‭ ‬نور‭ - ‬البنت‭ ‬الصغيرة‭ ‬الرقيقة‭ - ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أَلْهَتْني‭ ‬عن‭ ‬هاتفي‭ ‬الجوال‭ ‬باللعب‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬طريقنا‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كلّفتني‭ ‬أمّها‭ ‬بالجلوس‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬الخلفيّ‭ ‬والانتباه‭ ‬إليها،‭ ‬بينما‭ ‬تربّعت‭ ‬زوجتي‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬المقعد‭ ‬الأماميّ،‭ ‬فسقط‭ ‬الهاتف‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭ ‬به،‭ ‬وبقي‭ ‬في‭ ‬السيّارة‭.. ‬وسقط‭ ‬عنّي‭ ‬ذكره،‭ ‬ولم‭ ‬أنتبه‭ ‬إلى‭ ‬غيابه‭ ‬إلا‭ ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬الطائرة‭.. ‬فقلنا‭ ‬سلاما،‭ ‬وطرْتُ‭ ‬بكامل‭ ‬حريتي‭ ‬ممّا‭ ‬قد‭ ‬يشغلني‭ ‬عن‭ ‬أيام‭ ‬إجازتي‭ ‬في‭ ‬الجنّة‭ ‬المفقودة‭.‬