الصحافة العربية بين الماضي والمستقبل (1)

| أسامة مهران

عندما‭ ‬وجه‭ ‬نادي‭ ‬روتاري‭ ‬السيف‭ ‬دعوة‭ ‬لكي‭ ‬أختار‭ ‬موضوعًا‭ ‬أتحدث‭ ‬فيه،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدي‭ ‬عنوان‭ ‬واضح‭ ‬يقلقني‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬العنوان‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬تراءى‭ ‬لمخيلتي‭ ‬ككابوس‭ ‬“الصحافة‭ ‬العربية‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل”،‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬مضض‭ ‬وأنا‭ ‬مازلت‭ ‬أعيش‭ ‬الماضي‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تقاليد‭ ‬رغم‭ ‬الألم،‭ ‬وسعادة‭ ‬رغم‭ ‬الإخفاق،‭ ‬وتفوق‭ ‬رغم‭ ‬الحرب‭ ‬الضروس‭. ‬اخترت‭ ‬الحاضر‭ ‬لأنه‭ ‬مازال‭ ‬متجسدًا‭ ‬أمامي،‭ ‬بشخوصه‭ ‬وذكائه‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وتكنولوجيته‭ ‬الفائقة،‭ ‬وعوالمه‭ ‬الافتراضية،‭ ‬ولكن‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬للنادي‭ ‬الصديق‭ ‬العزيز‭ ‬أسامة‭ ‬معين‭ ‬ارتأى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬شقي‭ ‬الرحى‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ ‬العريض‭ ‬للمحاضرة‭.‬

لضيق‭ ‬الوقت‭ ‬ربما،‭ ‬وربما‭ ‬لبشاشة‭ ‬الطالع،‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬وتوجهت‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬لو‭ ‬ميريديان‭ ‬سيتي‭ ‬سنتر،‭ ‬حيث‭ ‬الجمع‭ ‬المُنتقى،‭ ‬والجمهور‭ ‬النوعي،‭ ‬والتعامل‭ ‬المثير‭. ‬بدأت‭ ‬الدكتورة‭ ‬سمر‭ ‬الأبيوكي‭ ‬الإعلامية‭ ‬القديرة‭ ‬بالتقديم‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬اثنتان‭ ‬من‭ ‬طالبات‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية،‭ ‬عاتقة‭ ‬الشجار‭ ‬طالبة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬والعلاقات‭ ‬العامة،‭ ‬وزهرة‭ ‬الصياد‭ ‬الحاصلة‭ ‬على‭ ‬بكالوريوس‭ ‬الإعلام‭ ‬والعلاقات‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬“الأهلية”‭ ‬أيضًا‭. ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الماضي‭ ‬مفعمًا‭ ‬بالروح‭ ‬التي‭ ‬كانت،‭ ‬والانضباطية‭ ‬التي‭ ‬توجه،‭ ‬والانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬للصحافي‭ ‬والممثل‭ ‬و”المطرب‭ ‬العاطفي”‭ ‬رغم‭ ‬محدودية‭ ‬وسائل‭ ‬النشر‭. ‬كان‭ ‬الصحافي‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬وأوسع‭ ‬وعيًا،‭ ‬وأدق‭ ‬أداءً،‭ ‬وكان‭ ‬المتلقي‭ ‬متابعًا‭ ‬جسورًا،‭ ‬ومخلصًا‭ ‬وفيًا،‭ ‬ومرابطًا‭ ‬عنيدًا‭ ‬عند‭ ‬بائع‭ ‬الصحف‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬وحتى‭ ‬منتصف‭ ‬النهار،‭ ‬منتظرًا‭ ‬كاتبه‭ ‬المفضل‭ ‬ورسامه‭ ‬الكاريكاتوري‭ ‬البارع،‭ ‬والحدث‭ ‬الوطني‭ ‬الكبير‭. ‬كان‭ ‬التلفزيون‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المكالمات‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬الموهوبين‭ ‬المحترفين،‭ ‬ويطرد‭ ‬الدخلاء،‭ ‬وكانت‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حقيقية‭ ‬وليست‭ ‬افتراضية،‭ ‬لذا‭ ‬كان‭ ‬التأثير‭ ‬مضمونًا‭ ‬لأن‭ ‬الصحافي‭ ‬كان‭ ‬صادقًا‭ ‬ومحايدًا‭ ‬ونزيهًا،‭ ‬تحكمه‭ ‬القوانين‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬وأصول‭ ‬المهنة‭ ‬وشرف‭ ‬الكلمة‭.‬

صحافة‭ ‬المستقبل‭.. ‬لا‭ ‬مستقبل‭ ‬لها،‭ ‬لأن‭ ‬حاضرها‭ ‬على‭ ‬اتساع‭ ‬وسائل‭ ‬التعبير،‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬انتشارها،‭ ‬وعلى‭ ‬حيوية‭ ‬الآليات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المعتمدة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بدخول‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالصحافي‭ ‬الافتراضي،‭ ‬أو‭ ‬المواطن‭ ‬الصحافي‭ ‬حسب‭ ‬التعبير‭ ‬الجديد‭ ‬لمفهوم‭ ‬من‭ ‬يشتغل‭ ‬بمهنة‭ ‬المتاعب،‭ ‬رجل‭ ‬الشارع‭ ‬العادي‭ ‬أصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬اتصال‭ ‬مصدقة،‭ ‬من‭ ‬عابر‭ ‬سبيل‭ ‬على‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬صاحب‭ ‬أفضل‭ ‬صورة‭ ‬“ترند”‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬مُصدر‭ ‬شائعة‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة‭ ‬باحتراف‭ ‬أو‭ ‬إتقان‭ ‬أو‭ ‬لغة‭ ‬عربية‭ ‬سليمة‭ ‬لتصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬دامغة‭ ‬يتناقلها‭ ‬البسطاء،‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬عقابهم‭ ‬على‭ ‬أخطائهم‭ ‬أو‭ ‬خطاياهم‭.‬

الإعلام‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬مسؤولاً،‭ ‬وكان‭ ‬مصدر‭ ‬الخبر‭ ‬أو‭ ‬المعلومة‭ ‬واضحًا،‭ ‬وكانت‭ ‬آلية‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬مهني‭ ‬وبلاغي،‭ ‬لذا‭ ‬كان‭ ‬الانتشار‭ ‬على‭ ‬محدوديته‭ ‬أوسع،‭ ‬والمادة‭ ‬المكتوبة‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬والمشهد‭ ‬التلفزيوني‭ ‬يحاكي‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والأغنية‭ ‬العاطفية‭ ‬أو‭ ‬الحماسية‭ ‬أو‭ ‬الدينية‭ ‬يعيش‭ ‬قصصها‭ ‬الناس،‭ ‬ويتداولها‭ ‬الشباب،‭ ‬ويتغنى‭ ‬بها‭ ‬المارة،‭ ‬و‭.. ‬للماضي‭ ‬بقية‭.‬