الفقر والفقر البشري

| سليم مصطفى بودبوس

 

كان العام 2015 التاريخ الافتراضي لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفيّة، وهي الأهداف التي حددها المجتمع الدولي ووضع لها إطاراً زمنياً "للحدّ من الفقر والجوع البالغَيْن، وخفْضِ معدّل وفيات الأطفال، وتوفير فرصة التعليم للأطفال، والتغلب على التفاوتات بين الجنسين"، كما جاء في تقرير التنمية البشرية للعام 2006، لكن لم يتحقّق من ذلك إلا النزر القليل، وأصبح القضاء على الفقر المدقع لجميع الناس في كل مكان بحلول العام 2030 هدفًا محوريًا لخطة التنمية المستدامة لعام 2030. ولئن انخفض الفقر المدقع الذي يُعَرّف بأنه العيش على أقل من 2.15 دولار للشخص الواحد في اليوم وفقًا لمعيار القوة الشرائية لعام 2017، بشكل ملحوظ على مدى العقود الأخيرة، فإنّ ظهور كوفيد - 19 أدّى إلى عكس اتجاه هذه المكاسب، وزاد عدد الأفراد الرازحين تحت وطأة الفقر المدقع لأول مرة منذ جيل بنحو 90 مليون شخص مقارنة بالتنبؤات السابقة. وتؤكد التقارير الدولية للأمم المتحدة ووكالاتها التابعة أنّه في صورة استمرار الأنماط الحالية، فإن ما يقدر بنحو 7% من سكان العالم ــ حوالي 575 مليون شخص ــ قد يجدون أنفسهم عالقين في ربقة الفقر المدقع بحلول عام 2030، مع تركز كبير في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. ولكن الفقر لا يتمثّل في عدم كفاية الدخل للفرد الواحد، إنما يتجاوز ذلك إلى "انعدام الفرص بسبب عدم كفاية التعليم والتغذية، وضعف الحالة الصحية، وقصور التدريب، أو بسبب عدم القدرة على العثور على عمل يجزي القدرات الموجودة لدى الشخص"، كما جاء في باب محاربة الفقر في تقرير التنمية البشرية 2000 – 2001. ولا يركز مؤشر الفقر فقط على فقر الدخول، لكن أيضاً على الفقر بوصفه أحد وجوه الحرمان من الخيارات /الفرص في عيش حياة محتملة ومقبولة.  ومن هنا نتحوّل من الحديث عن الفقر إلى الحديث عن الفقر البشري بما هو عدم الوصول إلى الاحتياجات الأساسية كالحاجات الماديّة (الطعام والسكن والملابس والمياه النقية ووسائل التعليم والصحة)، والحاجات غير المادية مثل حقّ المشاركة والحريّة الإنسانيّة والعدالة الاجتماعية. ويمكن قياس مدى الفقر البشري بثلاثة مؤشرات أساسية هي: مؤشّر للحرمان من حياة طويلة بصحة جيدة، ومؤشّر تعليميّ معرفيّ يتمثّل في نسبة الأميّة، ومؤشّر ثالث يقيس درجة الحرمان من مستوى معيشيّ لائق. هكذا، تغدو محاربة الفقر البشري، بمعنى عدم القدرة على الوصول إلى حدّ أدنى من الاحتياجات الأساسية، من الأولويات التي يجب أن تحدّد السياسات العامة لكل دولة سواء كانت تعاني من هذا الفقر أو لا تعاني منه لأنها متأثرة به مباشرة أو بصورة غير مباشرة.