متى تتم تنقية خطاب المنبر الحسيني؟
| رضي السماك
في غمرة اهتماماتي بالقضايا السياسية، بحكم شغفي واختصاص العلمي، وكذلك اهتمامي الفرعي بقضايا وموضوعات التراث الأدبي واللغوي، أحرص على ألا تفوتني سانحة لمتابعة خطاب المنبر الإسلامي، بغض النظر عن الفئة الإسلامية التي ينتمي إليها، أو المكان الذي يتحدث فيه، سواء في جامع أو مسجد أو في مأتم، أو في قناة تلفزيونية. ويستحوذ على أهتمامي بوجه خاص الخطاب الذي يتحلى ليس فقط بالإلمام الفقهي الديني الكافي، بل وبمستوى رفيع من الثقافة العامة، لا سيما إذا ما أتصف الخطاب بقدر معقول من الاستنارة والعقلانية، بعيداً عن حشوه-الخطاب- بالخرافات والأساطير التي تجاوزها الزمن والعلم، والتي تم تفنيدها حتى من الخطباء الإسلاميين العقلانيين، كما يعجبني أيضاً ابتعاد الخطاب عن الغلو والتزمت الدينيين،فضلاً عن ابتعاده عن كل ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية، سواء بحسن نية أم بعدمها، ذلك بأن الحذر واجب في مثل هذه الأمور الحساسة. مؤخراً وفي سياق متابعتي لنماذج من خطباء المنبر الحسيني في موسم عاشوراء الجاري، شاهدت مقطع فيديو لخطيب ديني بدا فيه للأسف لا يروّج فقط إلى تكريس الأساطير غير العقلانية التي تجاوزها الزمن التي أُلصقت ببطولات الإمام الحسين( ع ) وأهل بيته وأنصاره في واقعة كربلاء، ومنها الأعداد الهائلة بالآلاف التي قيل بأن أبطال كربلاء تمكنوا من قتلها، بل وبلغ لأحدهما التطاول على واحد من أعرق خطباء المنبر الحسيني وأكثرهم فقهاً وعلماً وثقافة عامة، ألا هو خطيب المنبر الحسيني العراقي الشهير المرحوم الشيخ الدكتور أحمد الوائلي.إذ عُرف عن هذا الخطيب الجليل المفوّه حرصه على تنقية خطاب المنبر الحُسيني من الشوائب التي عُلقت به وتكرست في نصوصه على مدى قرون، ومنها كما ذكرنا المبالغات في أعداد القتلى الهائلة من صفوف جيش الخصم الذي بارز الحسين في واقعة" الطف". والوائلي من أنصار إخضاع مثل هذه المسائل إلى ميزان العقل أو "لا بد من محاكمتها عقليا" على حد تعبيره، وفي هذا الصدد روى بأنه دخل في مجادلة مع أحد مؤلفي معركة كربلاء الذي أعاد في كتابه أسطورة بأن الحسين قد تمكن في يوم عاشوراء من قتل 12 ألف من صفوف جيش عدوه،ضارباً له مثلاً بأنه حتى بالحسابات البسيطة لا يمكن ذبح حتى 12 دجاجة خلال يوم واحد، هذا بافتراض أن كل دجاجة يستغرق ذبحها نصف دقيقة، ذلك بأن هذا العدد من الدجاج بحاجة إلى خمسة أيام،فما بالنا بقتل مقاتلين مقاومين متمرسين، علما بأن معركة كربلاء لم تستغرق سوى يوم واحد، أو على الأدق - حسب تقديرنا- سويعات من يوم واحد. والمؤسف ورغم مرور عقود على الرواية التي تحدث عنها الوائلي مازال ثمة خطباء ليسوا فقط ممن تستهويهم هذه الأساطير والخرافات وتكرارها في كل موسم عاشوراء، بل والمكابرة بدحض خطباء المنبر الحسيني الذين فندوها عن معرفة وبمنطق عقلاني. وكم تحدثنا في مقالات صحفية محلية-قديمة إلى حدما- عن حاجة خطاب المنبر الحسيني إلى المحافظة على سمعته التوعوية الدينية والتاريخية علمياً،وليكون على مستوى مخاطبة مختلف عقول المستمعين،سواء داخل المأتم أ وخارجه في وسائل التواصل الإجتماعي، بدلاً من ترك الحابل على الغارب ليتحدث الخطيب الذي لم يطور من معارفه وثقافته على سجيته،بحيث يهرف بما لا يعرف،ناسياً أن مستمعيه من أعمار ومستويات ثقافية متفاوتة، ومن بينهم شباب يتمتعون على الأقل بمستوى معقول من العلم والثقافة. ولكن لا أحد للأسف يعرف لماذا تُطلق الحرية الكاملة لمثل هؤلاء للترويج للجهل والخرافات والأساطير بإسم الدين أو بإسم هذه المناسبة الدينية الجليلة دون أية رقابة، لا بل ويتقاضون مكافآت مالية عليها. والأمر ينسحب على ما يتعلق بالممارسات المستوردة المؤذية للنفس والبعيدة عن جلال شعائر عاشوراء والتي شجبها معظم المراجع الكبار، دع عنك عن رفع مكبرات الصوت إلى أعلى درجة التي تلجأ إليها بعض المآتم لا كلها، وهو ما لا يستدعي ذلك، وهذه الظاهرة المؤسفة تكاد تنفرد بها البحرين بين كل الأقطار التي يجري فيها إحياء موسم عاشوراء!