“خصوصية” السبط الشهيد (ع)

| د. جاسم المحاري

وهب‭ ‬الباري‭ ‬الإنسان‭ ‬قيمة‭ ‬عظيمة‭ ‬بأن‭ ‬متعه‭ ‬بمكانة‭ ‬مثلى‭ ‬ومرتبة‭ ‬عليا‭ ‬أحسن‭ ‬فيها‭ ‬خلقه‭ ‬وأبدع‭ ‬بها‭ ‬تصويره‭ ‬وكرمه‭ ‬بنور‭ ‬العقل‭ ‬ووسع‭ ‬المدارك،‭ ‬وأعاشه‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬الآمن‭ ‬ومجتمعه‭ ‬المتجانس‭ ‬بأن‭ ‬سخر‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬وأنعم‭ ‬عليه‭ ‬بنعم‭ ‬لا‭ ‬عد‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬حصر،‭ ‬كما‭ ‬شرفه‭ ‬بالتسديد‭ ‬والقوامة‭ ‬بأن‭ ‬أرسل‭ ‬إليه‭ ‬الأنبياء‭ ‬بالبينات‭ ‬الواضحات‭ ‬وبعث‭ ‬له‭ ‬الرسل‭ ‬بالشرائع‭ ‬الراسخات،‭ ‬بل‭ ‬وزكاه‭ ‬بالمعارف‭ ‬وأودع‭ ‬فيه‭ ‬الحكمة‭ ‬ورفعه‭ ‬بعز‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬حضيض‭ ‬الجهل،‭ ‬حتى‭ ‬حفظ‭ ‬له‭ ‬الجبار‭ ‬العظيم‭ ‬حرمته‭ ‬وصان‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ارتقى‭ ‬خلقاً‭ ‬وعظم‭ ‬نبلا،‭ ‬لاعتبار‭ ‬حرمته‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الحرمات‭ ‬وانتهاكها‭ ‬من‭ ‬أشنع‭ ‬الجنايات‭.‬

الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬علي ‬(ع)‭) ‬المولود‭ ‬بمدينة‭ ‬جده‭ (‬ص‭) ‬في‭ ‬العام‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري،‭ ‬هو‭ ‬إمام‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬أئمة‭ ‬المسلمين،‭ ‬وعلم‭ ‬بارز‭ ‬من‭ ‬أعلام‭ ‬التقى،‭ ‬وقائد‭ ‬من‭ ‬ألمع‭ ‬القادة‭ ‬المصلحين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الإنسانية‭ ‬قاطبة،‭ ‬والذي‭ ‬برزت‭ ‬سيرته‭ ‬الروحية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬بإجماع‭ ‬الرواة‭ ‬والمؤرخين‭ ‬في‭ ‬أمثلة‭ ‬وشواهد‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬حلمه‭ ‬وصبره‭ ‬وإحسانه‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬خصومه‭ ‬ومخالفيه‭. ‬هذا‭ ‬الشهيد‭ ‬الخالد‭ (‬ع‭) ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يراع‭ ‬خصومه‭ ‬فيه‭ ‬حرمة‭ ‬ولا‭ ‬ذمة؛‭ ‬مثالٌ‭ ‬صارخٌ‭ ‬على‭ ‬هتك‭ ‬الحرمات‭ ‬في‭ ‬أبشع‭ ‬صورها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬غريباً‭ ‬عطشاناً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رواه‭ ‬ابن‭ ‬عباس‭ ‬بقوله‭: ‬“رأيت‭ ‬النبي‭ (‬ص‭) ‬في‭ ‬المنام‭ ‬بنصف‭ ‬النهار‭ ‬أشعث‭ ‬أغبر،‭ ‬معه‭ ‬قارورةٌ‭ ‬فيها‭ ‬دمٌ‭ ‬يلتقطه،‭ ‬فقلت‭: ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الأمة؟،‭ ‬قال‭: ‬دم‭ ‬الحسين‭ ‬وأصحابه‭ ‬لم‭ ‬أزل‭ ‬أتتبعه‭ ‬منذ‭ ‬اليوم”‭.‬

نافلة‭:‬

يجدد‭ ‬المسلمون‭ ‬بكل‭ ‬الأصقاع‭ ‬عامهم‭ ‬الجاري،‭ ‬الذكرى‭ ‬رقم‭ (‬1344‭) ‬لواقعة‭ ‬الطف‭ ‬الأليمة‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬أحداثها‭ ‬الثلاثاء‭ ‬10‭ ‬محرم‭ ‬سنة‭ ‬61‭ ‬هـ،‭ ‬والتي‭ ‬استمرت‭ (‬3‭) ‬أيام‭ ‬حسب‭ (‬ويكيبيديا‭) ‬وانتهت‭ ‬بشهادة‭ ‬الحسين‭ ‬والثلة‭ ‬الصابرة‭ ‬من‭ ‬أهله‭ ‬ورجالاته‭ ‬الخلص‭ ‬في‭ ‬مأساة‭ ‬كبرى‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬لمثيلها‭ ‬بشاعة،‭ ‬والتي‭ ‬انعدمت‭ ‬فيها‭ ‬المبادئ‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتعارفة‭.‬

فالحسين‭ (‬ع‭) ‬من‭ ‬كان‭ ‬غريباً‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬جده‭ (‬ص‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬مظلوماً‭ ‬ببطش‭ ‬أعدائه،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬ظمآناً‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭ ‬منهم،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬محزوز‭ ‬الرأس‭ ‬من‭ ‬القفا‭ ‬بشناعة‭ ‬فعلهم،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬مسلوباً‭ ‬بعمامته‭ ‬وردائه‭ ‬وخاتمه،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬خنصره‭ ‬مقطوعاً‭ ‬بخنجر‭ ‬حقدهم،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬صدره‭ ‬مرضرضأً‭ ‬وعظامه‭ ‬مهشمة‭ ‬بحوافر‭ ‬أعوجيتهم‭.‬

السلام‭ ‬عليك‭ ‬أيها‭ ‬السبط‭ ‬الشهيد‭ ‬ورحمة‭ ‬منه‭ ‬وبركات،‭ ‬يوم‭ ‬أضاءت‭ ‬الدنيا‭ ‬بمولدك‭ ‬المبارك،‭ ‬ويوم‭ ‬حزنت‭ ‬عليك‭ ‬ملائكة‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء‭ ‬وجميع‭ ‬العالمين‭ ‬لسفك‭ ‬دمك‭ ‬الطاهر‭ ‬على‭ ‬غوغاء‭ ‬كربلاء،‭ ‬ويوم‭ ‬تبعث‭ ‬حياً‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬مظلوميتك‭ ‬الكبرى‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬رب‭ ‬الخلائق‭ ‬أجمعين‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني