عالم لم يتغير!
| أسامة مهران
"عالم متغير" أخذني على حين غِرة إلى العالم المتغير، ظننته كتابًا في "السوشال ميديا" أو الذكاء الاصطناعي، ظننته يحاكي الصحافة الرقمية والمواقع الإلكترونية، أو أنه عبر "الأون لاين" يخاطب المستقبل الرافض للماضي، والشباب القانع بأحواله والمعتزل أحوال الناس. توقعته فصلاً تعسفيًا في ملف، أو جملة اعتراضية لـ "مقالات سحابية" أو صواريخ عابرة للقلوب وليست عابرة للقارات، لم أكن أتخيل أن مؤلفة "عالم متغير" الدكتورة حورية عباس الديري، تكتب كل شيء عن كل شيء، تتحلى بالصبر الفواح وتنكأ الجراح بمشرط سريع الذوبان في الهموم اليومية للمواطن، وتلك التي نأت بنفسها بعيدًا عن خيالات التراث.
تخيلت بالشكل وحده سيذهب الناس إلى ما تكتبه حورية، وأنها بفواصلها الناعمة الحركية تستطيع أن تجذب انتباههم إلى ما نطلق عليه "صراع الأفيال" لا صراع الأجيال. "عالم متغير" مجموعة مقالات نشرتها الزميلة القديرة في صحيفتنا الغراء "البلاد"، تجولت خلال مقالاتها بأكثر من 170 صفحة مع جمهورها العريض في الأحداث المتمردة والأخرى المستعدة للتمرد فيما بعد الألفية، وما قبل كتابة التاريخ.
هل العالم كان جاهزًا لثورة المعلوماتية؟ تسأل الدكتورة حورية لكنها لا تجيب، إنما تلمح، تتقصى، تفكر بصوت مسموع، تتحرى الدقة قبل النطق بالأحرف الأولى، وتلتزم الصمت عندما يُفشي الكلام عما لديه من معانٍ، وما في جعبته من "مجموعة إنسان"، نعم هي مجموعة إنسان تلك التي تسلل من خلالها الأمير الشاعر خالد الفيصل في الأغنية الشهيرة لمطرب العرب محمد عبده، بعنوانه الآثر ومعانيه الخالدة، لكن مجموعة إنسان حورية، كانت تتحدث فيها عن ثنائيات هذا العصر وكل عصر، عن الشاعر الفيصل الذي أذاع سرًا لم يبح به أبي فراس الحمداني وهو يحذر في "أراك عصي الدمع"، بأن مثله لا يُذاع له سر. "المقال كاملا في الموقع الإلكتروني". توقفت الدكتورة حورية أمام المصطلح اللغوي والعلمي لكلمة "إنسان"، هكذا تقول في فصل ليس تعسفيًا من فصول كتابها "عالم متغير"، بالتحديد عن أصل التسمية وفصلها، عن أبعادها وجذورها، وعن آخر دراسات علم الأحياء وكل ما له علاقة بالمخلوقات التي تجاوزت أعمارها الخمسمئة ألف سنة.
ذهبت المؤلفة "الكاشفة" إلى تاريخ السلالات البشرية، خصوصا تلك التي سبقت مجموعة الإنسان العاقل، فإذا بها تحصل على حفرية وراثية ترتبط بالمناخ وهجرة البشر، أكثر من ارتباطها بـ "نشوء وارتقاء داروين"، أو "استعمال وإهمال لامارك".
في النهاية، تعترف الديري بأن تجربتها في البحث القصير كانت مفيدة للغاية، رغم أنها لم تتماد في صحراء كالاهاري الأميركية، ولم تتوغل في رمال الربع الخالي المتحركة، ولا حتى في صحراء روميل ومونتجمري الملقبة بصحراء الساحل الشمالي الشرير.
كانت الرحلة مفيدة من حيث عثورها على مصطلحات متعددة الأوصاف حول المجموعات الإنسانية التي تواكبت على مر العصور، من حقبة "الأناسي" وهي جمع "إنسان"، أي المخلوق الأكثر قدرة على التكيف مع المناخات المحيطة، فإن لم يتكيف فهو يمتلك العقل والقدرات التمييزية التي تؤهله للهجرة إلى حيث ثنائية "الليل والنهار، الصيف والشتاء، الأرض والسماء، الأبيض والأسود، الحزن والأسى، في مواجهة الفرح والسعادة". مجموعة الإنسان، هي المجموعة البشرية الوحيدة التي تستطيع السباحة بين المتناقضات، فتلتقي بها وكأن شيئًا لم يكن، تعيشها وفي ضميرها الحي تدرك أن كل شيء إلى زوال، حتى الثنائيات العنيدة، والمواجهات التاريخية الشهيرة، والتحالفات العاطفية الخالدة: قيس وليلى، جميل وبثينة، أبي فراس ونجلاء، روميو وجولييت، وفي كرة القدم العربية: النصر والهلال السعوديين، الأهلي والزمالك المصريين، وفي أوروبا الدربي الأشهر في الكون: البارسا والريال. و.. هكذا يتغير العالم بسرعة ويتكيف الإنسان بمجموعته العاقلة مع المناخات أيًا كانت درجات حرارتها، أو مستويات الرطوبة فيها، أو معدل التلوث في أجوائها، أو حتى ساعات الشروق ولحظات الغروب، فجميعها.. جميعها جزء لا يدرك كله، فلا يصح ولا يستقيم أن يترك كله.