بالخط الأحمر

| د. عبدالله الحواج

الخط الأحمر كان ومازال دليلا قاطعا على الاعتراض، على الرفض، على دليل الخطأ، لذا ومنذ زمانات التدريس “المانيوال”، وتصحيح أوراق الامتحانات بالخط الأحمر الذي كان يميز الأستاذ عن التلميذ، كان من السهل علينا التدليل على الأخطاء، تحديد مكانها وزمانها وموقعها من الإعراب. الآن وبعد ثورة التكنولوجيا الهائلة، وهجمة “الديجيتال” على وسائل التعليم والتعلم، أصبحت علامات الإجادة والصواب موجودة على هيئات أخرى وبزي رسمي آخر، وألوان جهنمية لا تخطئها عين. في يوم من الأيام وضعت الخط الأحمر تحت جملة عريضة مؤثرة اسمها الروتين، وكلما صادفني عبدة البيروقراطية كنت أسرع من يضع عشرات الخطوط الحمراء تحت الكلمة، بل أمام صناع التلكؤ في اتخاذ القرارات، هذا ما يفسر أحيانًا حرصي على العمل الجامعي، حكومي بكل رسمياته وأدواته وضوابطه وأحيانًا حركته المضادة للتفكير السريع، وخاص وجدت فيه نفسي لأنه يتمتع بحرية حركة كنت أنشدها منذ نعومة أظفاري، وبمرونة في اتخاذ القرارات، وهو لم أعهده في العديد من مواقع العمل المرتبطة من خلال خيوط عنكبوتية شديدة الالتصاق ببعضها البعض. الخطوط الحمراء في حياتنا أصبحت خيوطًا افتراضية، تعبر الفضاء وتذهب بك إلى باطن الأرض، وتدخل عليك حياتك لتعترض عليها من دون أن تشعر بأن خطأً يتيمًا قد وقع، ولا فرصة مارقة مرت من تحت عينيك. وضعت الخط الأحمر على العديد من أوراق الامتحانات التي قمت بتصحيحها في الجامعة، كوني أستاذًا سابقًا لعلوم الرياضيات والحاسوب بجامعة البحرين، وكوني عميدًا لشؤون الطلبة والقبول والتسجيل، وكوني مراقبًا دقيقًا لكل ما يمر وأنا أشغل منصبي الحالي في الجامعة الأهلية رئيسا لمجلس الأمناء ورئيسًا مؤسسًا. العديد من القرارات التي اعترضت عليها وكان لزامًا عليّ أن أضع تحتها عشرات الخطوط الحمراء، أهمها حرصي على أن يكون القطاع الخاص مستقلاً بما فيه الكفاية عندما يتخذ القرار “المسؤول” الذي يرتبط بالنشاط الذي ينتمي إليه، وعشرات الخطوط الحمراء تمثلت نفسها أمامي وأنا أقرأ لكُتاب هذه الأيام وأقارن بينهم وبين عمالقة الأدب العربي في زمانات الأربعينات والخمسينات حتى التسعينات من القرن الماضي، وعشرات الخطوط الحمراء اضطررت مكرهًا أن أضعها تحت وفوق العديد من الخطايا التي يقع فيها عقلنا الجمعي العربي عندما يساوي بين الضحية والجلاد، بين الظالم والمظلوم، بين الصالح والطالح. وعندما تبدلت الحياة الطبيعية بأخرى افتراضية، قلت في نفسي كيف يا ترى أمارس هوايتي المفضلة بوضع الخطوط الحمراء تحت أي نغمة نشاز في عملي، أو حياتي أو حياة المقربين لي؟ كيف أترك القلم الذي عاش بين أصابعي زهاء عمري كله، وأذهب إلى الشاشات الذكية محملاً بالرغبة والشوق في أن أعود لعاداتي القديمة وأمسك بالورقة والقلم، وأخط خطًا أحمرًا عريضًا معترضًا فيه على كل من يقاوم العمل بـ “الديجيتال”، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المحسنة.  ياه.. أهكذا يتغير الإنسان، أم العالم الرقمي أصبح عقلاً رقميًا، لا يفكر بالخطوط والكلمات المتقاطعة بقدر ما أصبح يفكر رقميًا ويقرأ رقميًا ويكتب رقميًا، ويجري العمليات الجراحية رقميًا، و.. يعيش الحياة الرقمية وكأنه مجرد رقم ليس إلا؟!