كهنوت النقد الأدبي

| أسامة مهران

دائمًا‭ ‬ما‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافية‭ ‬الأدبية‭ ‬“كهنة”‭ ‬منزلون‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬حكام‭ ‬بأمر‭ ‬الشيطان‭ ‬وليس‭ ‬بأمر‭ ‬الله،‭ ‬كلمتهم‭ ‬آية،‭ ‬ورأيهم‭ ‬قانون،‭ ‬ووجهة‭ ‬نظرهم‭ ‬“متنزلش‭ ‬الأرض‭ ‬أبدًا”،‭ ‬هكذا‭ ‬يتصور‭ ‬البعض‭ ‬ممن‭ ‬عاصرناهم‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬يقولون‭ ‬للنص‭ ‬“كن‭ ‬فيكون”،‭ ‬وللرواية‭ ‬سيري‭ ‬على‭ ‬بركة‭ ‬الله‭ ‬فتسير‭ ‬على‭ ‬بركة‭ ‬الله،‭ ‬وللقصيدة‭ ‬أنتِ‭ ‬بالفعل‭ ‬قصيدة،‭ ‬فتقام‭ ‬المآدب‭ ‬والندوات‭ ‬احتفالاً‭ ‬بمولد‭ ‬نجم‭ ‬جديد‭.‬

المعيار‭ ‬مجرد‭ ‬رأي،‭ ‬مجرد‭ ‬شخص‭ ‬يقود‭ ‬القطيع،‭ ‬وفكرة‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬الرفقاء،‭ ‬مؤخرًا‭ ‬خرج‭ ‬علينا‭ ‬أحدهم‭ ‬منتقدًا‭ ‬الآراء‭ ‬التي‭ ‬يبالغ‭ ‬أصحابها‭ ‬في‭ ‬مدح‭ ‬شاعر‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬شاعرًا،‭ ‬وقال‭ ‬بالحرف‭ ‬الواحد‭: ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬من‭ ‬نفاق‭ ‬لمبدعين‭ ‬ليسوا‭ ‬بمبدعين،‭ ‬ولشعراء‭ ‬نصوصهم‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬نصوصًا،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الشخص‭ ‬الملقب‭ ‬بمؤرخ‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬وكل‭ ‬زمان،‭ ‬لديه‭ ‬بعض‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬المدعين‭ ‬للأدب‭ ‬أصبحت‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الثقافية‭ ‬المنفلتة‭ ‬أصلاً،‭ ‬وربما‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬امتدت‭ ‬لبعض‭ ‬“المتأدبين”‭ ‬ليكتبوا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فنون‭ ‬القصة‭ ‬والرواية‭ ‬والزجل‭ ‬“الشعر‭ ‬العامي”‭ ‬والقصيدة‭ ‬الفصيحة‭ ‬العمودية‭ ‬وقصيدة‭ ‬التفعيلة‭ ‬وقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬ربما‭ ‬ذهبت‭ ‬خيالاتهم‭ ‬الخصبة‭ ‬ليقرأوا‭ ‬الكف‭ ‬والفنجان،‭ ‬ويعدوا‭ ‬النجوم‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬الظهر‭. ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الزميل‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬“منصات‭ ‬الحكم”‭ ‬الثقافية‭ ‬معذورًا‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الأدبية‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬قد‭ ‬يجبر‭ ‬الكثيرين‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬هراء‭ ‬في‭ ‬هراء،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬الدخلاء‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬شوهت‭ ‬كلمة‭ ‬“أدب”،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬أدخلته‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نفق‭ ‬يمكن‭ ‬المرور،‭ ‬وفوق‭ ‬أي‭ ‬جسر‭ ‬سيعبر‭ ‬العابرون‭. ‬القضية‭ ‬متداخلة،‭ ‬والزميل‭ ‬الضليع‭ ‬أو‭ ‬الهارب‭ ‬من‭ ‬“النقد”‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ضلوعًا‭ ‬في‭ ‬الانتقاد‭ ‬العشوائي،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬التعميم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬انتقاء‭ ‬للحالات‭ ‬المتجاوزة‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬الأدب‭ ‬بلا‭ ‬أدب‭.‬

النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬يحتل‭ ‬نواصيه‭ ‬كُتاب‭ ‬مخضرمون،‭ ‬وجهابذة‭ ‬وفقهاء،‭ ‬أساتذة‭ ‬جامعات‭ ‬وشخصيات‭ ‬لها‭ ‬باع‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬والكتابة‭ ‬والانتشار‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الإبداع‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬العمر‭.‬

وكنا‭ ‬نلتمس‭ ‬الأعذار‭ ‬لهؤلاء،‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يحصلون‭ ‬من‭ ‬التبجيل‭ ‬والتقدير‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬وضعهم‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬التصنيف‭ ‬الحساسة‭ ‬بوزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬والتربية‭ ‬والتعليم‭ ‬وغيرها،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الحق‭ ‬كل‭ ‬الحق‭ ‬مع‭ ‬الدولة،‭ ‬وقد‭ ‬يصبح‭ ‬الداخلون‭ ‬إلى‭ ‬محراب‭ ‬النقد‭ ‬كالخارجين‭ ‬منه،‭ ‬كل‭ ‬يحمل‭ ‬بين‭ ‬أياديه‭ ‬فرعًا‭ ‬من‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭ ‬كي‭ ‬يترحم‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬موهبته،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬اللاحقة‭ ‬يذهب‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر‭ ‬وربما‭ ‬عن‭ ‬اقتناع‭ ‬إلى‭ ‬فراشه‭ ‬مكلومًا،‭ ‬مأبونًا‭ ‬لإحساسه‭ ‬بالظلم‭ ‬الواقع‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الدفاع‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬فقط‭ ‬عليه‭ ‬الاستماع‭ ‬لملاحظات‭ ‬أباطرة‭ ‬الحياة‭ ‬وكل‭ ‬حياة،‭ ‬وما‭ ‬عليه‭ ‬إلا‭ ‬السمع‭ ‬والطاعة‭.‬

حكم‭ ‬نهائي‭ ‬بات‭ ‬بأنه‭ ‬شاعر‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬شاعر،‭ ‬من‭ ‬فريق‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬نسج‭ ‬الإحباطات‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬الموهوبين،‭ ‬وغربلة‭ ‬الانتقادات‭ ‬لانتقاء‭ ‬الأشرس،‭ ‬والأعنف‭ ‬والأقل‭ ‬تهذيبًا‭.‬

على‭ ‬أية‭ ‬حال‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬لجنة‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬تسمع‭ ‬إلى‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ،‭ ‬لم‭ ‬تعترف‭ ‬به‭ ‬كمطرب،‭ ‬وطردته‭ ‬من‭ ‬عرين‭ ‬الغناء‭ ‬شر‭ ‬طردة،‭ ‬لكنه‭ ‬وكثيرون‭ ‬غيره‭ ‬حاولوا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وحصلوا‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬الشعب‭ ‬كل‭ ‬الشعب،‭ ‬فلا‭ ‬تيأسوا‭ ‬أيها‭ ‬الحقيقيون‭ ‬من‭ ‬رحمة‭ ‬الله،‭ ‬فهي‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬قداسة‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يحكمون‭ ‬بكل‭ ‬أمر،‭ ‬ولا‭ ‬يدركون‭ ‬بأنهم‭ ‬قد‭ ‬يعدمون‭ ‬موهبة‭ ‬واعدة،‭ ‬أو‭ ‬فنانًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬أو‭ ‬شاعرًا‭ ‬خالدًا،‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭.‬

 

* ‬كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية