إيران وحرب الوكلاء
| عارف العبد
مما لا شك فيه أن الغارة التي نفذتها إسرائيل مباشرة وعلانية على العاصمة السورية دمشق، واستهدفت فيها القنصلية الإيرانية هناك، وقتلت فيها قادة مهمين من الحرس الثوري، تشكل تطورا نوعيا في الحرب الدائرة في منطقة المشرق العربي، إذ إنها المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل مباشرة وعلنا مصالح وممتلكات وأراض إيرانية سيادية. إيران والمسؤولون فيها لطالما هددوا وتوعدوا أنهم بانتظار الفرصة المناسبة، أو أي خطأ صغير تجاه إيران لكي تدمر إسرائيل بدقائق حسب العنتريات والتهديدات السابقة المبالغة والمنفوخة، وإذا كانت إيران كما تدعي وتروج لتدمير إسرائيل، فها هي الحجة قد أتت والمبرر موجود للانتقام المباشر، لكن من الواضح أن الكلام والشعارات الإعلامية أمر، والتنفيذ أمر آخر. هذه الضربة الفجائية من إسرائيل إلى إيران لن تحدث انهيارا في المعادلات التي كانت قائمة حتى الآن، والمرتكزة إلى حرب الظلال، أي استهداف ظل المتحاربين بدل المتحاربين أنفسهم، أي أنها لن تدفع إلى حرب واسعة بين البلدين إسرائيل وإيران، وستبقي الأمر على تبادل اللكمات بين الوكلاء وفي أراضيهم وعبرهم. لكن إيران بدل أن تدخل الحرب وتنتقم لشرفها المراق في دمشق، انتقلت إلى دور المحلل السياسي، فيما المطلوب الآن القرار والفعل وإثبات الوجود، لطالما انتقدت العرب والدول العربية على تقاعسهم حياله. أهداف إيران واضحة، وهي إبعاد أي هجوم أو ضربة مباشرة إسرائيلية أو أميركية عن المؤسسات والمنشآت النووية التي تقدمت في إقامتها وعدم تعريض مؤسساتها التي بنتها إلى الضرر. في الأساس فإن نظرية إيران في دعم وتدريب وتقوية الأذرع الوكيلة في المنطقة من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان هي بهدف حماية المؤسسات والمكاسب الإيرانية، وذلك لإبقاء أية حروب أو مواجهات ممكنة خارج إيران وأراضيها، بهدف إقامة خطوط دفاع وإشغال خارج الأراضي الإيرانية. بمجرد أن أعلن عن الضربة الإسرائيلية للقنصلية الإيرانية في دمشق أعلنت الولايات المتحدة أنها غير ضالعة بهذه الضربة ولا دخل لها فيها. وأشار المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي إلى أنه "لا علاقة لنا بالضربة في دمشق، لم نكن ضالعين فيها بأي شكل من الأشكال". إيران بدورها هاجمت إسرائيل سياسيا وإعلاميا وقالت وزارة الخارجية الإيرانية مؤخرا إن إسرائيل تسعى إلى إشعال الحروب في المنطقة وتوسيعها. وبعد سويعات من الضربة اجتمع مجلس الأمن القومي الإيراني لدراسة الرد المناسب وسط تصاعد في لهجة التهديدات الإيرانية بالرد والانتقام من إسرائيل. لكن من استخدم الوكلاء لمشاغلة أميركا وإسرائيل في المنطقة هل سيقدم اليوم على تبديل سياسته والدخول في حرب مباشرة كأصيل بدل الوكيل الذي يتولى الحروب والضربات؟ من المؤكد إن إسرائيل ومصالحها ستتلقى ضربات انتقامية، لكن من المؤكد أنها لن تكون من إيران مباشرة، بالرغم من أن الضربة كانت علنية ومباشرة للأراضي الإيرانية عبر تدمير مبنى القنصلية. لا يبدو أن إيران بسياستها المُراوغة والمناورة ستغامر وتدخل الحرب مباشرة بل ستبقي على حرب الوكلاء لحماية الأصلاء في طهران وقم.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان