أزمة واشنطن مفصلية وليست طارئة (5 من 6)

| عبيدلي العبيدلي

3. الثقافة شهدت الأبعاد الحضارية والثقافية في الولايات المتحدة بالفعل تحولات سلبية واسعة، أعقبت فترة الازدهار الاقتصادي الذي عرفته واشنطن بعد الحرب، متأثرة في ذلك بالتحولات الأوسع في الحياة الاجتماعية والمالية والسياسية الأميركية. ويمكن تتبع التراجع أو التحول السلبي في هذه المناطق من خلال التغيرات في السياسات الحضارية/ ‏الثقافية وانعكاساتها على الأنشطة المتعلقة بالحياة الحضرية والإنتاج الفني. إذ تعكس هذه التغييرات التأثيرات المباشرة للقرارات السياسية، والتأثيرات غير المباشرة الأكثر فعالية على نسيج المجتمع الأميركي. ويمكن رصد تلك التراجعات في الأنشطة المجتمعية الأميركية التالية: i. التدهور الحضري واستجابات السياسات.

 تراجع التصنيع والاضمحلال الحضري.  حزام الصدأ الحديدي: في أواخر القرن 20، كافحت العديد من المدن الأميركية ضد تراجع التصنيع، ما أدى إلى فقدان الوظائف، وانخفاض عدد السكان، واضمحلال النشاطات الحضرية. كان هذا واضحا بشكل خاص فيما عرف بـ “حزام الصدأ”، حيث كان التصنيع حجر الزاوية في الاقتصاد المحلي هناك. و “حزام الصدأ” هو مصطلح غير رسمي لمنطقة شمال شرق الولايات المتحدة التي كانت تشهد تدهورًا صناعياً انطلق في العام 1980. واشتق اسمها من أن الصناعات الرئيسة بالمنطقة التي تتمحور حول الصلب قد صدأت، أي تدهورت.  الاستجابة المجتمعية للسياسات: تم إطلاق مشاريع التجديد الحضري ومبادرات التنمية الاقتصادية استجابة لاحتياجات أميركية صرفة. وغالبا ما ركزت تلك المشاريع على تنشيط مناطق وسط المدينة وجذب أنواع جديدة من الصناعات. ورغم أن مثل تلكك الخطوات أدت في بعض الأحيان إلى التحسين، لكنها في المقابل، ساهمت في تشريد المجتمعات التقليدية. كما عكست الجهود المبذولة لخصخصة بعض الخدمات العامة أو الاعتماد على الشراكات بين القطاعين العام والخاص تحولا أوسع نطاقًا نحو السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، التي كانت لها نتائج مختلطة - جمعت السلبي مع الإيجابي- على التنمية الحضرية والعدالة الاجتماعية.

* البنية التحتية والخدمات العامة الاستثمار في البنية التحتية: أصبح الانخفاض في الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة واضحا، ما أثر على النقل والمدارس العامة والحدائق. الأمر الذي أثر، بدوره، على قابلية العيش في المناطق الحضرية ونوعية الحياة، ومستوى العيش. 

* التحولات الثقافية وتأثيرات السياسات  الصندوق الوطني للفنون “(NEA) National Enterprise Architecture “ والتمويل العام للثقافة: انعكست التغييرات في التمويل العام للفنون والثقافة سلبًا على أداء “الصندوق الوطني للفنون” نظرًا للتراجعات في الاهتمام بهذا القطاع الإنساني. وأثارت تلك السياسات مناقشات حادة توسع نطاقها حتى نال دور الحكومة في دعم الإنتاج الثقافي، الذي كان آخذًا في التقليص والتراجع.

 الآثار غير المباشرة: أدى انخفاض التمويل العام للفنون إلى الضغط على المؤسسات الثقافية للحصول على رعاية خاصة، ما أثر بشكل واسع على أنواع المشاريع التي تتلقى الدعم، وإعطاء الأولوية للجدوى التجارية، على حساب الابتكار الفني أو الأهمية الاجتماعية، والأبعاد الثقافية.  الحروب الثقافية والتحول في القيم الحضارية: سلطت ما يسمى بـ “الحروب الثقافية” في أواخر القرن 20 وأوائل القرن 21 الضوء على الانقسامات العميقة حول القيم الاجتماعية في الولايات المتحدة، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالعرق والنوع الاجتماعي (الجندر) والهوية الوطنية.  تأثير السياسات: انعكست هذه الانقسامات سلبًا على السياسات الثقافية والتعليمية الأميركية. وتفاقمت بسببها، المناقشات بشأن معايير المناهج الدراسية، ومعارض المتاحف، وتنمية الوعي الثقافي العام، ما أثر على الخطاب الوطني وتشكل الهوية، ومعايير الإنتماء الوطني الفردية.

ii. تداعيات غير مباشرة وغير واضحة  الفصل المكاني: أدت السياسة الحضرية والتحولات الاقتصادية إلى زيادة الفصل المكاني حسب الدخل والعرق والإثنية، ما عزز تنمية الجيوب الثقافية العرقية التي أدت إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية أيضا.  التعبير الثقافي: أصبحت هذه الجيوب مواقع للتعبير الثقافي النابض بالحياة ولكنها سلطت الضوء أيضا على تحديات التفاهم والتكامل بين الثقافات المتعددة الخلفيات في المجتمع الأميركي. * المشهد التكنولوجي والإعلامي  صعود التكنولوجيا الرقمية: قادت التغيرات التي ولدتها تقنيات الثورة الصناعية 4.0 في المشهد الإعلامي إلى تغيير كيفية إنتاج الثقافة واستهلاكها وتوزيعها، رافقته آثار كبيرة على المؤسسات والممارسات الثقافية التقليدية.  الآثار غير المباشرة: في حين أن هذه التحولات تضفي الطابع الديمقراطي على الوصول إلى الإنتاج والاستهلاك الثقافيين، فإنها تثير أيضا مخاوف بشأن الفجوة الرقمية والملكية الفكرية واستدامة الأشكال الفنية التقليدية. * العولمة والتبادل الثقافي  القطاع الثقافي: أثرت العولمة، التي روجت لها مراكز صنع القرار الأميركي، بشكل متزايد على القطاع الثقافي، من خلال تسهيل التبادل بين الثقافات وإدخال أشكال جديدة من التعبير الفني، ولكنها في المقابل، أثارت أيضا مخاوف بشأن التجانس الثقافي وتآكل الثقافات المحلية. وسع ذلك من مساحات دوائر تصارع السياسات الثقافية مع هذه الديناميات، من حيز دعوات التآلف، إلى تعزيز تخندق التنوع الثقافي، ومشروعات دعم الصناعات الثقافية المحلية أثناء الانخراط في الأسواق الثقافية العالمية. توضح تحديات فترة ما بعد الازدهار والتحولات السلبية التي رافقتها، كما أشرنا، الانعكاسات المدمرة التي واجهتها الأبعاد الحضرية والثقافية، سوية مع أطر التفاعل المعقد بين القرارات السياسية والاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والتحولات الثقافية على حد سواء.  فكان لهذه التغييرات آثار سلبية عميقة على المجتمع الأميركي، حيث شكلت المشهد الحضري والإنتاج الفني والخطاب الحضاري الأوسع بطرق مرئية وخفية. كل ذلك يكشف الثغرات التي تركت بصماتها على الفترة التي أعقبت الازدهار الاقتصادي الأميركي، وتمظهرت في تحولات كبيرة أثرت على الفعاليات الثقافية بطرق معقدة. بالقدر ذاته واجهت الفنون تحديات تتعلق بالتمويل، والسياسات، ومشروعات التغيير الاجتماعي، أفقدت بدورها جزءًا كبيرًا من موقعها كمشجع للابتكار النابض بالحياة، وقيم النقاش المثير لشهوة الاستفزاز “الإيجابي”، فتضاءلت  تصورات دور الإبداع في “تنوير” المجتمع وتقدمه. حثت جميع تلك التحولات السلبية، بأشكال متفاوتة خطى التراجع الأميركي، فأفقدت واشنطن تلك المكانة الريادية الأميركية التي انتعشت في مرحلة الازدهار.