انقلاب الصورة

| كمال الذيب

احتكرت إسرائيل لفترة طويلة صورة الضحية قديما وحديثا، من خلال تكرار عدد من السرديات المعروفة، أهمها سردية ما سمي بـ (السبي البابلي) في محاولة لاحتكار صورة الضحية في التاريخ القديم، وسردية (المحرقة النازية) التي قاموا بإحلالها محل المأساة العالمية الكبرى المتمثلة في سقوط عشرات الملايين من الضحايا في الحرب العالمية الثانية: (أكثر من 60 مليونا بين مدنيين وعسكريين) وذلك في سبيل الانفراد بصورة الضحية أيضا.

وإذا كانت الدراسات التاريخية الموضوعية والمعمقة، والتي أنجز بعضها الباحث العراقي خزعل الماجدي المتخصص في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، قد أعادت تركيب السردية الأولى، فإن صورة الضحية التي بنيت على المحرقة النازية ومأساة اليهود وسادت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، هي الأخرى في طريقها إلى فقدان احتكار موقع الضحية، بسبب أعمال القتل والإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال ضد أصحاب الأرض. وجاء العدوان على غزة وما حمله من وحشية غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، ليكون القطرة التي أفاضت الكأس، لبداية تزعزع تلك الصورة التي استغلها الاحتلال ووظفها ضد معارضيه في الداخل والخارج. فهذا الانقلاب أصبح حقيقة يستشعرها الرأي العام العالمي، خصوصا بين أوساط الشباب الذين تحرروا من سلطة السرديات المكرسة في الإعلام الغربي، لكن المشكلة التي تجعل من صنَّاع القرار، خصوصا من القادة السياسيين في الغرب نفسه لا يتعاطفون مع معاناة الشعب الفلسطيني عامة، ولا مع مأساة غزة خاصة، وذلك لأنهم لا يرون صورة الفلسطيني المقاتل والمقاوم للاحتلال، فهي صورة تقلقهم بل وتخيفهم، في حين أنهم مستعدون لقبول صورة الفلسطيني المهزوم المستسلم، متسول الحقوق، اليائس اللاجئ الذي يكتفي بالمناشدة فقط، فلا بأس بصورة الفلسطيني الضحية والمثير للشفقة فقط، فيمنح المساعدات الغذائية والخيام والتعاطف الصوري. لقد نجحت إسرائيل لعقود عديدة في احتكار صورة الضحية وتصوير العرب عامة والفلسطينيين خاصة على أنهم يعشقون العنف والدم والموت، إلى أن جاء العدوان على غزة، فكشف حجم الدموية الإسرائيلية والوحشية وانعدام القيم الإنسانية، في القول والممارسة، فنقل الاحتلال من موقع الضحية المزعومة إلى موقع النازية الجديدة. كاتب وإعلامي بحريني