مجالسك يا رمضان
| سليم مصطفى بودبوس
مع حلول الشهر الكريم، ومنذ يومه الأوّل، هبّت نسماتُ المجالس الرمضانية وفاح عبيرها في أرجاء البحرين؛ فلكل مجلس ليلة معلومة وبعض المجالس مفتوحة لضيوفها كل ليلة.. وهاهو مشهدُ تَردُّدِ الأهالي على المجالس الرمضانية يتجدّد، وهاهو حرصهم على الانتقال من مجلس إلى آخر في ذات الليلة من هذا الشهر الفضيل يتكرّر؛ فهؤلاء الروّاد والزائرون يحرصون على زيارة أكثر من مجلس في الليلة الواحدة لعلّهم يوفون أصحابَ المجالس حقّهم.
تحضرني هذه الصور والمشاهد العالقة بذهني الراسخة في ذاكرتي منذ أن أقمت في البحرين وإلى حدّ كتابة هذه الكلمات لتنطبع في وجداني أحدّث بها القاصي والداني وأحكي عن مجالس مُشرَعَة على المحبة والسلام مفتوحة للمواطنين والمقيمين. نعم تَحضُرُني مجالسُ الليالي الأولى من رمضان؛ فقد كان شغف اللقاء من جديد وبعد انقطاع طويل أقوى من مشاعر الخوف التي لا تزال تسكن بعض الناس خشية عدوى هذا المرض أو ذاك... ويتجدد شوقي للحديث عن هذه المجالس البحرينيّة في رمضان وفي غير رمضان، في البحرين وفي غير البحرين، فعنها لا أَمَلُّ الحديث؛ فأنا المقيم هنا منذ سنين وجدت في هذه العادة الاجتماعية عنوانًا رئيسًا لثقافة المحبة والتعايش والسلام؛ فلا يمكن أن تمرّ بالبحرين دون أن تلاحظ المجالس وتدخلها وتعيشها عن قرب وتحبّها من القلب؛ كيف لا وهي سُنَّة معظم العائلات ونهج الآباء والأجداد. وتمثّل هذه المجالس في شهر رمضان الفضيل فرصة لتدعيم أواصر المحبة والأخوة بين أبناء الوطن الواحد؛ فهي خاصيّة تميّز المجتمع البحريني، ومناسبة طيبة تتعزّز فيها قيم التواصل والتكاتف والتآلف والتراحم التي امتاز بها أهل البحرين عبر تاريخهم وحتّى اليوم. لكن الطريف أنّ ما يميّز مجالس أهل البحرين الإقبال المتنوّع عليها، فلا يحرص على حضورها أهل البحرين فقط في إطار تواصلهم العائلي أو الاجتماعي، بل تجد مكوّنات المجتمع الأخرى ولا سيما الجاليات الأجنبية حريصة على حضور مجالس رمضان، فالعديد من سفراء الدول العربية والأجنبية وكذلك ممثلي الجاليات ولاسيما من الديانات الأخرى التي تمارس شعائرها في البحرين في كنف الاحترام والسلام.. كل هؤلاء حريصون على حضور المجالس في أمان الشهر الكريم، شهر رمضان العظيم، وفي مجالس المحبة والسلام يجتمعون على قيم التسامح وأجمل الكلام.
هكذا تواصل المجالس في البحرين رسالتها النبيلة، رسالة المحبة والتعايش والانفتاح على كل الأطياف والمكوّنات الاجتماعية والثقافية والدينية ومختلف الجنسيات المقيمة في مملكة البحرين، رسالة آمن بها أصحاب المجالس وجُلاّسهم، رسالة تؤمن بالإنسانية في غير إقصاء ولا تعصّب، رسالة تزول معها الفوارق ليبقى الجوهر الإنساني نقيا يجمعنا على المحبة والسلام، رسالة مَنْ "قالوا سلاما" مِنَ الآباء والأجداد منذ أول التاريخ.
تلك هي رسالة المجالس في البحرين عموما، صورة لرسالة مملكة البحرين في العالم، مملكة التسامح والتعايش، صورة لمسيرتها الرائدة في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، مسيرتها في نشر ثقافة التسامح الديني، والحوار بين الثقافات، والاحترام المتبادل بين الشعوب.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية