كائنات مجهولة النسب

| أسامة مهران

"كامل العدد.. لم يحضر أحد"، كان ذلك هو المشهد المسرحي ليلة الحادي عشر من فبراير الجاري بمركز كانو الثقافي، كان العبد لله قد طلب منه المركز "المحترم" بمنطقة سند تدشين أحد دواويني الشعرية، فقد تم اختيار "كائنات مجهولة النسب" بعد الاتفاق مع المركز، وبالفعل التزم الجميع بحضور الحفل، لكن شاءت الأقدار أن تهبط أمطار غزيرة على مملكة البحرين، جعلها الله أمطار خير وبركة، حيث حالت دون حضور الجمهور لهذا الحفل. هذا حظي، ولماذا لا يكون كذلك، والدنيا لم تعد في أفضل حال؟ تقبلت الوضع وصعدت إلى المنصة ومعي أحد زملائي في الجامعة الأهلية وهو الصحافي حسين الصباغ. لم يحضر أحد، إلا سبعة أشخاص يمكن أن أذكرهم بالاسم: الزميل العزيز والصحافي المعروف خليل يوسف، وأحد ممثلي أعضاء مجلس إدارة مركز كانو الثقافي الأستاذ أحمد البحر، والقائم بأعمال الإدارة عاصم عبدالحي، والإعلامية السيدة نيرة محمود، والشاعر البحريني علي، واثنان من الأصدقاء القدامى، والعاملون بالمركز الموقر. عزائي إن هذا النفر القليل أسعدني، وأثرى النقاش، ولم أشعر طوال الساعتين بأنني كنت أعاني من الوحدة أو الفراغ، ولا حتى من ضعف المناقشات وخفوت الضجيج، كنت أستمع إلى قلوبهم وهي تعانقني، وأياديهم تربت على أكتافي مساندة إياي: يا صديقي لا تحزن، "إن الله معنا". وبالفعل انتهى حفل التدشين إلا من أسئلة مقتضبة وتعليقات استشهد بها الزميل الصباغ من بعض النقاد الذين تناولوا الديوان من قبل بالشرح والتحليل في عدد من الصحف العربية. و.. انتهى التدشين بعد الحصول على توقيعي المضطرب عند إهدائي بعض النسخ للحضور، وخرجت من المركز وأنا أسأل نفسي: هل الأمطار حقًا هي التي منعت الناس من الحضور؟ هل لم تكن هناك دعاية كافية على الأقل عبر أدوات التواصل الاجتماعي؟ أم أن اهتمام الناس بالشعر عمومًا أصبح هامشيا، وأن العالم تغير رغم أنف الشعراء الحالمين والمثقفين الواهمين؟.  السؤال مطروح لأن التكالب على شعر نزار قباني في أزماننا الخوالي لا يمكن له أن يتكرر، ولا حتى محمود درويش عندما كان يشدو في ربيع الثقافة البحريني بـ "أحسن القصائد"، ولا أدونيس الذي تمت استضافته في نادي الخريجين حيث امتلأ "الكون" عن آخره، وهبطت السماء لتلامس الأرض الخلاء، والنجوم لتحلق فوق البيت القديم بـ "العدلية". لم يتكرر المشهد، ولم أعد أتوقع أن شيئًا محددًا لشاعر مارق أو لمفكر دؤوب مثل الذين حضروا "اللاتدشين" يمكنهم أن يغامروا بحياتهم وسط السيول، والهطول، وبعد أن تجف مياه المطر.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية