أساطير محسن عبدالعزيز

| أسامة مهران

ليست تهويمات صوفي، أو تنبؤات فلكي، تلك التي أسماها الزميل الصحافي والروائي محسن عبدالعزيز بأساطيره الشخصية، وتلك التي اكتشف من خلالها منهجًا جديدًا في تتبع سلوك زعماء وشخصيات سياسية مرموقة منذ نعومة أظافرهم، بالتحديد من خلال تصرف محدد، ويكون هذا التصرف هو المسؤول عن بناء شخصية الرجل الذي برز والزعيم الذي تحقق، والعظيم الذي لا مثيل له. يقول ليفي شتراوس في مقدمة كتاب أساطير شخصية إنه سأل الموسيقار الفرنسي دابليوس ميلهو: متى أدركت أنك ستصبح مؤلفًا موسيقيًا؟ فرد قائلاً أنه أثناء طفولته كان يرقد في فراشه مستسلمًا لنوم بطيء، يصغي وينصت إلى نوع من الموسيقى التي ليست لها علاقة بنوع الموسيقى التي كان يعرفها، ثم اكتشف فيما بعد أن هذه الموسيقى هي موسيقاه الشخصية، أنها موسيقى الذات. ويطرح محسن عبدالعزيز في مؤلفه حقيقة مجردة ترتقي إلى مستوى الأسطورة عندما تحدث عن العقاب أو الضرب باعتبار أحدهما أو كلاهما بمثابة الأسطورة الحقيقية، وأحيانًا يكون الهروب هو نفسه الأسطورة، فقد هرب الدكتور جمال حمدان عالم الجغرافيا المصري الشهير من الناس إلى العزلة ليعيش أسطورة "الخريطة" التي حكمت مسار حياته، حيث جعل حمدان بينه وبين الناس حدودًا ومسافات صارمة لا يسمح لأحد بتجاوزها، ولدرجة أنه للوصول إلى صومعته لابد أن تمر بطرقات معينة على باب شقته التي لا يعرفها سوى المقربين جدًا منه. أما عقاب الضرب فقد كان هو الأسطورة الحقيقية للشخص، تمامًا كما في حياة جمال عبدالناصر حين أمره المُدرس بأن يضرب زملاءه في الفصل لأنهم لم يعرفوا الإجابة الصحيحة التي عرفها، لكن عبدالناصر رفض أن يضرب زملاءه فأمرهم المُدرس بأن يضربوه، 60 عصا تحملها الزعيم بشجاعة على يديه، لكنه بعد ذلك أصبح الزعيم، يلعبون إذا لعب، يتوقفون إذا توقف، وهكذا تكررت أسطورة الضرب في حياة عبدالناصر، وفي كل مرة يخرج أقوى وتكون تلك أسطورته. ويذهب محسن عبدالعزيز إلى أساطيره من خلال زعيم آخر هو أنور السادات الذي كان على سطح منزله يمثل دور غاندي أو يقلده، ويبدو أنه كان يمثل دوره هو أو أسطورته في الحياة، حيث أصبح ممثلاً وسياسيًا عظيمًا على مسرح الأحداث، يخدع القريب والبعيد، العدو والصديق، ويحقق نصر أكتوبر العظيم، ثم يهبط بطائرته في تل أبيب متقنًا دوره كأي ممثل عالمي، ثم يموت على المسرح كأحد الأبطال بزيه العسكري ونياشينه، فيما العالم كله يشهد موته التراجيدي بين جنوده وعلى الهواء مباشرة. أما الطفل الكفيف عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين فقد كان ضمن أساطير محسن عبدالعزيز، حيث كان الطفل الكفيف طه مصممًا أن يوقظ إخوته من النوم فزعين، يشعل النار في ملابسهم وهم في سبات عميق، فإذا بهم يستيقظون هلعين، غاضبين، لتغدو أسطورة عميد الأدب العربي "إيقاظ النائمين" في هذه الأمة من خلال أفكاره التنويرية، وجسره الذهبي الذي بناه ما بين باريس عاصمة النور والقاهرة عاصمة الشرق. و.. تضمنت الأساطير الروائي العالمي نجيب محفوظ، وتشيكوف القصة القصيرة العربية الدكتور يوسف إدريس، والكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل الذي صنع أسطورته بنفسه وهو لم يحصل إلا على دبلوم التجارة الثانوية، لكن رؤيته العميقة للأحداث جعلته من أغلى عشرة كُتاب في العالم، والرجل الأقرب لقلب الزعيم جمال عبدالناصر، حيث قال عنه هنري كيسنجر: هناك رجل في الشرق يعرف العالم العربي مثل كف يده.. إنه محمد حسنين هيكل.

كاتب مصري والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية