الأزمة الاقتصادية المصرية (2 من 3)

| عبيدلي العبيدلي

ربما أول ما يواجه المراقب للاقتصاد المصري هو ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل غير مألوف. فقد وصلت نسبته إلى 92.7 % في العام 2023، مقابل 69.6 % في العام 2010. كما تواجه البلاد نقصا طويل الأمد في العملات الأجنبية. ومن أجل خفض ديونها الضخمة، قلصت الحكومة المصرية شبكة أمانها الاجتماعي. وانخفض الإنفاق الحكومي من نحو 11.5 % من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2016 إلى أقل من 7.3 % للعام 2022. هذا ما دفع صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمصر في السنة المالية الحالية 2023 - 2024 إلى 3 %، بانخفاض من 3.6 % توقعها في أكتوبر2023، وفقا لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي المحدث الصادر عن الصندوق في مطلع العام 2024. على نحو مواز، أكد العديد من صناديق النقد الدولية والمنظمات المتخصصة الأخرى أن مصر تمر حاليا بأزمة اقتصادية حادة، يمكن رصد الأبرز بينها في المظاهر التالية: • التضخم المرتفع: ظل التضخم في مصر مرتفعا بعناد، حيث وصل إلى 21.3 % في ديسمبر 2023. وأهم انعكاس اقتصادي لمثل هذه النسبة من التضخم، هو تآكل القوة الشرائية للمواطن المصري - بشكل كبير- الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الضغط على ميزانيات الأسر المعيشية، وخاصة بالنسبة للسلع الأساسية. • انخفاض قيمة العملة المحلية: إذ يواجه الجنيه المصري اليوم ضغوطا من أجل دفع الدولة إلى خفض قيمته. يحدث ذلك، في خضم تأزم الاقتصاد العالمي جراء المواجهات العسكرية التي اندلعت بشكل غير متوقع، تتقدمها الحرب الروسية الأوكرانية، ومعارك غزة التي امتدت آثارها كي تلامس شواطئ البحر الأحمر. وهذا من شأنه مضاعفة تكاليف الاستيراد، من جانب، ويؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية، من جانب آخر. • عجز كبير في الموازنة: لا يزال عجز الموازنة الحكومية المصرية مرتفعا، مما يثير مخاوف بشأن القدرة على تحمل الديون.  فعلى الرغم من تقلص العجز في النصف الأول من السنة المالية 2023-2024، إلا أنه لا يزال يتطلب إدارة حذرة. فوفقًا لتقرير صادر عن (CNN)، ارتفع العجز الكلي في الموازنة العامة المصرية إلى 383.1 مليار جنيه (12.4 مليار دولار) خلال أول شهرين من السنة المالية الحالية 2023 - 2024 ما يعادل نسبة 3.2 % من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 1.4 % في الفترة نفسها من العام المالي الماضي.

وأرجع خبراء أسباب هذه الزيادة إلى تحمل الموازنة تكلفة مرتفعة بسبب الفوائد على الديون نتيجة زيادة سعر الفائدة. وزاد حجم مصروفات الموازنة العامة للدولة في أول شهرين في العام المالي الحالي إلى 590.7 مليار جنيه (19.1 مليار دولار) مقابل 307.4 مليار جنيه (9.9 مليار دولار) خلال الفترة المماثلة من العام المالي الماضي. • ارتفاع معدلات البطالة: لا تزال البطالة، ولا سيما بين الشباب، تشكل تحديا مفصليا لا يمكن القفز فوقه. هذا بدوره يعوق النمو الشامل، والاستقرار الاجتماعي. فوفقًا لبيانات رسمية “ارتفع معدل البطالة في مصر خلال الربع الثالث من عام 2023، ليبلغ 7.1 % من إجمالي قوة العمل، وبارتفاع 0.1 % عن الربع السابق، بحسب بيانات رسمية”. وقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن قوة العمل ارتفعت إلى 31.956 مليون فرد خلال الربع الثالث لعام 2023، مقابل 30.969 مليون فرد خلال الربع السابق، بنسبة ارتفاع مقدارها 3.2 %. وهذا من شأنه رفع معدلات البطالة. ولا تزال البطالة، ولا سيما بين الشباب، تشكل تحديا، يعوق النمو الشامل والاستقرار الاجتماعي. • التنويع الاقتصادي المحدود: لا يزال الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على السياحة وإيرادات قناة السويس والتحويلات المالية. يعد التنويع في قطاعات جديدة مثل التصنيع والتكنولوجيا أمرا بالغ الأهمية للمرونة على المدى الطويل. • هروب رأس المال المحلي: فقد كشف بعض التقارير الرسمية عن هروب هائل للعملة الأجنبية مارسه القطاع الخاص، بلغت قيمته 20 مليار دولار في الربع الأول من العام 2022. وهو ما يعادل حوالي 50 % من الاحتياطيات الأجنبية الرسمية لمصر. هذا، بدوره، يكشف أن التعافي الاقتصادي الظاهر في السنوات الست السابقة كان هشًا، وغير قابل للصمود في وجه أي أزمة محتملة، حتى عندما يكون حيزها صغيرًا، وفترة فعلها قصيرة.  • البيروقراطية غير الفعالة: يعد تبسيط البيروقراطية ومعالجة الفساد أمرا ضروريا لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمار. • التباطؤ الاقتصادي: أدت الأزمة الاقتصادية العالمية والمحلية، إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في مصر، حيث قام البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير بتعديل توقعاته لنمو البلاد هذا العام إلى 4.3 %، بانخفاض عن توقعاته السابقة البالغة 5 %.