ضحايا التطهير وقرار المحكمة
| أسامة مهران
ثمة دراسة خاصة تزامنت مع القرارات "المرتعشة" لمحكمة العدل الدولية، الدراسة أعدها مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة الأهرام المصرية الدكتور نبيل عبدالفتاح، لحسن الطالع أنه أرسل لي نسخة منها، الأرقام مفجعة وقرارات محكمة العدل الدولية التي وصفها البعض بـ "العصا المترددة"، لا تختلف عن تصريحات بعض المسؤولين عندما يتحدثون بدبلوماسية عن الصراع العربي الإسرائيلي. نبيل عبدالفتاح يكشف المستور في دراسته، ويفضح المجتمع المسمى بالدولي، على سكوته وحديثه المضحك عن "حل الدولتين"، يقول: يتم قتل اثنتين من الأمهات كل ساعة في قطاع غزة منذ "طوفان الأقصى" وحتى اللحظة، ويقول: لقد تحولت أكثر من 30 ألف امرأة إلى أرامل، 1,6 مليون من إجمالي 2,3 مليون نسمة إلى نازحين، مليون امرأة وفتاة هائمات على وجوههن من دون مأوى. إسرائيل أسقطت حتى كتابة دراسة الزميل الدكتور عبدالفتاح قبل أيام قلائل أكثر من 70 ألف طن من المتفجرات على رؤوس البلاد والعباد في القطاع المُدمَّر، هذا الكم الذي يفوق ما يحدث ربما في الحرب الروسية الأوكرانية قد حوَّل نصف مليون فلسطيني إلى جوعى ومشردين، و95 ألفًا من السكان ما بين قتيل ومفقود وجريح، تمامًا مثلما أدى هذا الكم الهائل من المتفجرات إلى تدمير 75 % من المنشآت المدنية والبنى التحتية في غزة، بالإضافة طبعًا إلى الأمراض النفسية والخسائر المعنوية التي يعاني منها 400 مليون عربي لا ينتمون ولا يرتبطون بالمتغاضين عما يحدث من تطهير وإبادة لبني جلدتهم في القطاع والضفة وما بينهما. جنوب أفريقيا - وأبناء وأحفاد العظيم مانديلا، "عملت اللي عليها"، فعلت ما لم يفعله العرب، وقدمت أدلة إدانة لإسرائيل، ووصلت بها ربما لأول مرة منذ الصراع إلى محكمة العدل الدولية، حملت جنوب أفريقيا وفريقها الاستثنائي "القومي العربي" براهين تثبت قيام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وتطهير عرقي وإبادة جماعية، واستهداف مدنيين دون غيرهم من نساء وأطفال، قدم أبناء وأحفاد مانديلا كل شيء يُدين إسرائيل، وفعلت جنوب أفريقيا كل ما في وسعها من أجل أن يتم تحويل الملف برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتطبيق القانون الدولي على الذين ثبت تورطهم في حرب الإبادة الدائرة الآن ضد شعبنا في غزة. لكن ماذا نقول؟ جاء قرار محكمة العدل باردًا، هادئًا، مطالبًا إسرائيل بأن تتوقف عن الإبادة الجماعية وأن تلتزم بالقانون الدولي وميثاق المحكمة، لكنها لم تفرض وقفًا فوريًا لإطلاق النار في القطاع، ولم تعاقب المجرمين الذين قتلوا أهلنا، وسفكوا دماء أطفالنا، وشردوا نساءنا في جنح ليل غزة الرهيب. الدراسة الاستراتيجية تكشف، وحيثيات رفع القضية الجنوب أفريقية تتحرك، ومحكمة العدل تطالب ولا تحكم، تتمنى ولا تفرض، تطلق سراح كل من كان في القفص من دون حتى كفالة أو وعد بإنهاء الحرب أو باعتراف واضح ليصبح بذلك "سيد الأدلة". تركت المحكمة الدولية المجرم يخرج من القفص، وأطلقت نداءاتها وكأنها ليست محكمة، لا شرطي يقوم بتنفيذ الأحكام ولا أحكام من أصله، لا تحديد لإقامة أو منع لعدوان، أو تسهيل بالقوة لإدخال المساعدات، ولا حتى حكم بات نهائيا باحترام أية حقوق للإنسان وأي وجود لبشر في هذا القطاع المحاصر منذ عشرات السنين.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية