الأزمة الاقتصادية المصرية 3-1

| عبيدلي العبيدلي

لا يحتاج زائر مصر هذه الأيام أن يكون خبيرا اقتصاديا كي يكتشف عمق الأزمة الاقتصادية الممسكة بتلابيب الاقتصاد المصري، والمتربصة بخطواته المقبلة، على طريقيه القصير والطويل على حد سواء. فأسعار الجنيه المصري تتهاوى بشكل يومي شبه متواصل أمام العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الأميركي. وبدأ بعض المستثمرين الأجانب بمن فيهم الخليجيون، ينسحب من أسواق العقار، والبيع بالتجزئة المصرية. ولم يتردد البعض الآخر منهم في دخول أسواق الاستثمار غير الشرعية الموازية، كي لا نقول السوداء، كي يعوض تراجع أرباحه عن طريق الانخفاض السريع في أسعار صرف العملة المصرية. والضحية الأولى، والأضعف، أمام هذا الانهيار، المنذر بكارثة جديدة، هو المواطن المصري من الطبقة المتوسطة، التي سحقتها الأزمات المتلاحقة، فتلاشى حضورها في سلك التقسيمات المجتمعية المصرية، بعد أن فقدت القدرة على الصمود أمام زوابع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، التي عرفها الاقتصاد المصري منذ ما يزيد على عقد من الزمان. وضاعفت من حدتها مجموعة من المشروعات التجميلية، والبعض الآخر منها هامشي، دون أن يعني ذلك غض الطرف عن بعض تلك المشروعات الاستراتيجية الناجحة، لكن نتائجها بحاجة إلى صبر، من المواطن، لم يعد متوفرا بالمستوى المطلوب. وقبل تناول الأزمة المالية والاقتصادية المتزامنتين في مصر، لا بد من الاعتراف، أنها، دون أن يكون ذلك نوع من التبرير، حلقة في أزمة عالمية باتت تعاني منها الاقتصادات الدولية الكبرى، يتقدمها أكبر اقتصادان هما  الأميركي والصيني. إذ يحذر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في الربع الأخير من العام 2022 من التضخم ، حيث “يشهد النشاط الاقتصادي العالمي تباطؤًا واسعا فاقت حدته التوقعات، مع تجاوز معدلات التضخم مستوياتها المسجلة خلال عدة عقود سابقة. وتنوء الآفاق بأعباء ثقيلة من جراء أزمة تكلفة المعيشة، وتشديد الأوضاع المالية في معظم المناطق، والغزو الروسي لأوكرانيا، واستمرار جائحة كوفيد - 19. وتشير التنبؤات إلى تباطؤ النمو العالمي من 6.0 % في العام 2021 إلى 3.2 % في العام 2022 ثم 2.7 % في العام 2023.... وحسب التنبؤات، (سوف يعود التضخم العالمي ليرتفع من 4.7 % في العام  2021 إلى 8.8 % في العام 2022 ليتراجع لاحقا إلى 6.5 % في العام  2023 و4.1 % في العام  2024. وعلى السياسة النقدية أن تواصل العمل على استعادة استقرار الأسعار” .

(اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني) وينقل موقع “المصري اليوم”، عن أحد كبار زملاء معهد إنتربرايز الأميركي، والذي كان نائب مدير إدارة تطوير السياسات ومراجعتها في صندوق النقد الدولي، ديزموند لاكمان قوله: “إن من بين أعظم التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وانتعاش الاقتصاد العالمي، الارتفاع الأخير في عائدات سندات الخزانة الأميركية، وانعكاس ذلك على سعر الفائدة الرئيسي عالميا، موضحًا أنه في فترة قصيرة مدتها شهرين، ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من أقل من 4 % إلى أكثر من 4.75 % - وهو أعلى مستوى منذ 16 عاما، وقد حدث ذلك استجابة لتحذيرات بنك الاحتياطي الفيدرالي بأن أسعار الفائدة سوف تظل مرتفعة لفترة أطول لاحتواء التضخم، فضلًا عن مخاوف السوق المتزايدة بشأن كيفية تمويل حكومة الولايات المتحدة لعجز ميزانيتها، الذي يبلغ 8 % من الناتج الإجمالي المحلي”. ويحذر لاكمان من “أن الوقت ليس مناسبا على الإطلاق للاقتصاد العالمي لكى يشهد تحرك الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والتي كانت حتى وقت قريب المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، إلى مسار نمو اقتصادي أقل انخفاضاً، سيكون الوقت غير مناسب بشكل خاص لمثل هذا الحدث عندما تبدو الولايات المتحدة على أعتاب ركود اقتصادي كبير”. تؤكد هذا الاستنتاج أيضا الباحثة الاقتصادية في الشؤون الاقتصادية والأوروبية، نجاة عبد الحق، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”،   حين تقول: “إن سيناريو (البجعة السوداء) المتمثل بهجوم عسكري صيني ضد تايوان، قد يكون سيناريو واقعي ووارد، ولكنه يحمل في طياته أثمانًا باهظة جدًا سيكون على الصين وعلى شعوب العالم تسديد كلفتها، مشيرة إلى أن هذا السيناريو سيدخل العالم في أزمة اقتصادية كبيرة جداً قد تشبه أزمة عام 1929-1930 التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية”. على نحو مواز حذر تقرير الأمم المتحدة الرائد عن الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2024، من أن فترة طويلة من النمو المنخفض تلوح في الأفق، الأمر الذي يقوض التقدم المحرز على صعيد التنمية المستدامة،   إذ سيتراجع “النمو الاقتصادي العالمي من نحو 2.7 % في العام 2023 إلى 2.4 % في العام 2024، ليتجه إلى ما دون معدل النمو قبل جائحة كوفيد-19 البالغ 3.0 %..  وأوضح التقرير أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة تصعيد الصراعات، وتباطؤ التجارة الدولية، وزيادة الكوارث المناخية، تشكل تحديات كبيرة أمام النمو العالمي. (لذا فإنَّ) احتمالات وقوع فترة طويلة من تشديد شروط الائتمان وارتفاع تكاليف الاقتراض تمثل رياحا معاكسة قوية تواجه الاقتصاد العالمي المثقل بالديون، في ظل الحاجة إلى مزيد من الاستثمارات لإنعاش النمو ومكافحة تغير المناخ وتسريع التقدم على مسار تحقيق أهـداف التنمية المستدامة”.