من جوهانسبرغ إلى بوابة الأهرام
| أسامة مهران
لم تكن وقفة أممية ولا حدادًا على عزيز بقدر ما كانت رصدًا من قريب لقريب، ومن حبيب لحبيب، تلك التي قطع الزميل كمال جاب الله آلاف الأميال من القاهرة إلى العاصمة الجنوب أفريقية جوهانسبرغ لكي يعيش بنفسه اللحظات التاريخية الحاسمة، لكي يفخر مع قومنا بأول قضية ضد التطهير العرقي والعنصري لشعبنا في غزة، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي الهولندية. كان سهلاً على كمال جاب الله أن يحضر جلسات الفخر في المحكمة بشارع "نوردي اند الدينهاجي" العريق، وكان سهلاً عليه وباسم صحيفة الأهرام المصرية التي يمثلها أن يعيش اللحظة التاريخية في مدينة أوروبية فاخرة، وأن يغطي الحدث من فوق مقاعد المحكمة الوثيرة، وتحت وابل الأمطار الثلجية المثيرة، كان سهلاً على صديقي كمال أن يكون بحجم كل شيء ولا يضحي بأي شيء، لكن الصعب أن يلبي دعوة حزب المؤتمر الوطني الحاكم، رغم مشاغله وأحزانه ليرصد من قلب جوهانسبرغ ذلك الفيض الذي لا ينضب من المشاعر، وتلك المواقف الوطنية من أبناء وأحفاد الزعيم الأفريقي العظيم نيلسون مانديلا. لم يكن صعبًا رغم كل شيء أن تقلع طائرة الزميل وكأنه في مهمة فوق العادة مع "بلاد مانديلا" ومع ملايين المشاهدين، ولم تكن مستحيلة على الهواء مباشرة مرافقة الفريق القانوني البطل لجنوب أفريقيا أمام جلسة الاستماع الأولى لمحكمة العدل الدولية، من بوابة البطولات في أقصى الجنوب الأفريقي إلى بوابة "الأهرام" المصرية، من "البافانا بافانا" إلى "فراعنة وادي النيل"، وأنا أقرأ مقال الزميل جاب الله الذي عشت معه تلك اللحظات والفريق القانوني الجنوب أفريقي يبدع وهو يحاول تثبيت تهمة الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل بحق شعبنا الفلسطيني. من بوابة الأهرام وجدت جاب الله وهو يرفع التحية لهذا الفريق واضعًا أسماءهم على لوحة شرف غير مسبوقة وضمن قائمة كتبت عنها الصحف والشاشات أحرفًا من نور.. القائمة ضمت كلاً من عديلة هاشم، رونالد لابولا، وتمبيكا نجكوكايتوبي، فوجان لوي نوسي ماندونسيلا، تشيد يسيو راموجالي، ليراتو زيكالالا، جون دوجارد، سارة بودفين جونز، ماكس دوبليسيس، وبليني ني جرالا وغيرهم، كتيبة كاملة العدة والعتاد، الوثائق والبراهين والمستندات، فرقة ليست انتحارية لأنها تدافع عن الحق، وجماعة إنسانية تربت على النخوة والشهامة والشرف، ومناصرة الضعيف ودعم الفقير، جماعة خرجت من عباءة مانديلا الذي لم تفارق عنقه الكوفية الفلسطينية الشهيرة حتى ووري الثرى. كمال جاب الله كتب بحبر القلب في بوابته المفتوحة وبصحيفته التي تربى فيها على الأمانة وكلمة الشرف والدقة في نقل المعلومة والاحترافية في التعبير عن الناس. جنوب أفريقيا وهي تعتلي كل المشاهد الدولية تعرف أن محكمة العدل الدولية وحدها لا تكفي، وتفهم أن مجلس الأمن الدولي هو المهيمن بـ "الفيتو" الخماسي من الدول الأعظم، هو الذي سيحكم في النهاية وليست محكمة العدل الدولية، رغم ذلك ذهب الفريق القانوني الجنوب أفريقي إلى عاصمة الحياة على شط بحر الشمال، ذهبوا وفي جعبتهم إرادة شعوب العالم، وفي حوزتهم آمال المكلومين وحيرة التائهين وحلاوة المحاولة. ذهبت جنوب أفريقيا وهي تدرك تمامًا أن دونها من الدول باستثناء كوبا وفنزويلا لم تحرك لها ساكنًا أكثر من التنديد المتحفظ، ذهبت بلد مانديلا حاملة روحه بين مستنداتها، ومواقفه بين ضلوع سطورها، ومحتمية بذكراه رغم أنه لم يعد على قيد الحياة.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية