احتفالات رأس السنة!
| أسامة مهران
لم تكن مقاعد "الكافيهات" خالية، ولا "طاولات" المطاعم الشهيرة خاوية، غرف الفنادق الفخمة جميعها كانت كاملة العدد في ليلة رأس السنة، وجميعها كانت محجوزة قبل "الرأس" بأسابيع، وقبل نهاية السنة بشهور، لم يكترث أحد بما يحدث في قطاع غزة، بالتحديد بما حدث خلال الـ 48 ساعة الأخيرة قبل احتفالات أعياد الميلاد، حيث الضحايا بالمئات، والمشردين بالآلاف، والمطرودين من أرضهم بمئات الآلاف. قبل الاحتفالات بـ 24 ساعة أعلن إعلام إسرائيل عن ضم شمال غزة إلى ما يسمى بمستوطنات "الغلاف"، بالجزر الذي حققت فيه المقاومة نصرها المؤزر المستحيل، في الشريط الذي التهمه "طوفان الأقصى" على حين غرة. قبل الاحتفاء بـ 24 ساعة أصبح المخطط الصهيوني واضحًا للعيان، وأصبحت مفاوضات الأسرى المزعومة قاب قوسين أو أدنى من هدنة لمدة شهر حسب الخطة المصرية "غير المدعومة"، أصبح وسط غزة وجنوبها في عهدة المجهول، وضاع الشمال بأكمله مثلما ضاعت فلسطين 48، والضفة والقطاع وما بينهما من قبل، أصبحت 95 % من الأراضي الفلسطينية في قبضة الاحتلال، ونحن نحتفي في مقاهينا بالسنة اللذيذة والمأكولات السريعة، والثرثرة التي تخللت الجدران الجوفاء من قبل أن تطلقها السرائر والألسنة والنفوس، أصبحنا جزءًا من عالم ليس معنا، و"كمالة عدد" من دنيا لا ناقة لنا فيها ولا جمل. احتفينا برأس السنة من خلال "السوشال ميديا"، تهاني وسلامات وأمنيات بأن يكون العام الجديد أفضل وأعقل، وأن يكون 2024 أقل كراهية لنا وأبعد عدو لدينا وآخر من يجور علينا، تمنينا على "السوشال ميديا" أن يكون العام الجديد رحيمًا بأشقائنا الفلسطينيين، وكريمًا على أمهاتهم الثكالى، وأطفالهم الحيارى، ورجالهم الشهداء، وقلنا إن احتفالاتنا المتكررة بنفس الشكل ونفس الوتيرة، وبنفس المعدل من المصاريف والتكاليف واستعراض الثروات، لا يليق بأمة واحدة، تتألم لبعضها البعض، وتحزن على بعضها البعض، وتموت من أجل بعضها البعض. السلوك الثنائي البشري ينم عن السلوك المجتمعي العام، لا رحمة لأحد من أحد، ومثلما يقول أشقاؤنا اللبنانيون "ما حدا لحدا"، والمصريون "كل بني آدم متعلق من عرقوبه"، رغم عدم فهمي الدقيق للأمثلة العربية المتواترة، إلا أن إحساسي بها أصبح فائقًا، وتواصلي معها صار معفيًا من كل الرسوم والضرائب، والتأشيرات المعرقلة على الحدود، أصحبت مثلاً لا أتوقع معروفًا أو ردًا للجميل، تعاطفًا أو تبادلاً للمشاعر، تناغمًا أو تماشيًا مع ضرورات الحب، واحتياجات الحياة. من هنا لم أتوقع سلوكًا عربيًا مختلفًا من الناس وأهلنا في غزة يموتون كل لحظة، عشرات الشهداء كل دقائق معدودات، مفاوضات في الغرف الدافئة، وعلى الموائد كاملة الدسم، والسيجار الكوبي لا يفارق أصابع المفاوضين. يحدث ذلك وأهلنا في غزة يموتون من البرد والثلوج والتشرد والخطر وانتظار الموت، وتمتد على استقامته التصريحات المعلنة أو تلك المتكيسة المتكلسة التي تحوم حولها الشبهات وعدم اليقين، وحالة اللاحياء واللاتردد. عام 2024 لن يكون أفضل حالاً ولو كان أكثر هدوءًا، لن تكون هناك نتائج تُذكر والمقدمات كلها توحي بأن مفاوضاتنا لن تعود بقطاع غزة إلى ما قبل السابع من أكتوبر الماضي. يقولون إن طوفان الأقصى "حرك" القضية بعد أن طواها النسيان، وأنه أيقظ العالم بعد أن كان يغط في سبات عميق، ويقول البعض الآخر، لقد أدخل غزة في زمرة الاحتلال، وأعاد إلينا أيام النكبة، وسنوات الضياع. ويقولون أكثر من ذلك، لكن الأكيد أن اليوم غير الأمس، والغد سيكون مختلفًا عن اليوم، و2024 لن يتشابه مع ما سبق من أعوام، مهما كان ذكاؤنا الاصطناعي قادرًا على تسمية الأشياء بأسمائها، ومهما كانت خيالاتنا خصبة للحد الذي يترجم كل كارثة على أنها "خير إن شاء الله، إن شاء الله خير". كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية