حرب غزة 2023 في توازنات النظام العالمي الجديد ومرتكزات اقتصاده (1 - 4)

| عبيدلي العبيدلي

سجلت معارك حرب غزة 2023 علامات فارقة على مسار الصراع العربي - الإسرائيلي، وفتحت فصلًا جديدًا في سفر هذا الصراع، الذي تعود جذوره الحديثة إلى ما يزيد على النصف قرن. وهي ما تزال في انتظار من يدون، بصدق وموضوعية، قراءته الواقعية لمساراتها المتعددة والمتعرجة في آنٍ، في ضوء مقدمات اندلاعها، ومحصلة نتائجها. وفي ترقب مثل تلك القراءة الموضوعية، تفرض من جانب آخر، وبإلحاح متزايد، أهمية رؤية تداعيات هذه الحرب، على توازنات النظام الدولي القائم اليوم، ومرتكزاته النوعية التي تميزه عما سبقه من منظومات دولية. فمن الواضح أن نوعية النتائج التي ولدتها “معارك الأنفاق”، إن جاز الوصف، ضد ما كان يوصف بأفضل نظام أمني في العالم، وأكثر جيش معاصر كفاءة، تجاوزت، بما لا يقبل الشك أو حتى مجرد النقاش، حدود مخيمات غزة، وتخوم الشرق الأوسط، كي تكتب وصية النظام الدولي القائم، وتقيم على قبره معالم نظام جديد، في معالمه السياسية، ومكوناته الاقتصادية.  هذا ما أكده بوضوح تصريح غير مسبوق من قبل الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عندما أعلنها صراحة أن “الفشل في الرد على الأحداث الرهيبة في غزة قد أدى إلى انهيار النظام العالمي، الذي يفترض أنه ليبرالي، والذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، (داعيًا) إلى إصلاح عاجل للهياكل الأمنية بعد الحرب”، مشيرًا إلى أن هذه الهياكل “ضعيفة وعفا عليها الزمن، وعالقة في فترة زمنية تعكس واقعًا مضى عليه 80 عامًا”، مشيرا إلى أن “مجلس الأمن مشلول بسبب الانقسامات الجيو إستراتيجية”. وقد سبق غوتيريش فيما ذهب إليه، وزير الخارجية الأميركي الحالي أنتوني بلينكن في خطابه في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، في سبتمبر من العام 2023 (قبل شهر من اندلاع حرب غزة)، الذي حمل عنوان “قوة وهدف الدبلوماسية الأميركية في عصر جديد”، جاء فيه: “إن المشهد الدولي الذي تدرسونه جميعًا يختلف اختلافًا عميقًا عن المشهد الذي واجهتُه عندما بدأتُ العمل في الحكومة منذ 30 عامًا إلى جانب السيد شتاينبرغ”.   ثم أضاف “لقد جلبت نهاية الحرب الباردة معها وعدًا بمسيرة لا هوادة فيها نحو مزيد من السلام والاستقرار، والتعاون الدولي، والترابط الاقتصادي، والتحرر السياسي، وحقوق الإنسان”. وبعدها أضاف “الآن، لم يستفد الجميع بالتساوي من المكاسب غير العادية لهذه الفترة. وكانت هناك تحديات خطيرة للنظام - الحروب في يوغوسلافيا السابقة؛ الإبادة الجماعية في رواندا؛ هجمات الحادي عشر من سبتمبر وحرب العراق؛ الأزمة المالية العالمية للعام 2008؛ سوريا؛ جائحة كوفيد - على سبيل المثال لا الحصر. لكن ما نشهده الآن هو أكثر من مجرد اختبار لنظام ما بعد الحرب الباردة. إنها نهايته”.  ولو أجّل بلينكن خطابه إلى ما بعد أحداث غزة الجسيمة، كان سيكتفي بالإشارة إلى “حرب الأنفاق الفلسطينية” بدلًا من قائمة الحروب التي سردها، كي يعترف صراحة أنها ستكون القشة التي سوف تقصم ظهر بعير النظام الدولي القائم، كي تبني على أنقاضه نظامًا من المبكر التكهن بمعالمه، وآليات إدارته.  ففي تاريخنا المعاصر، ليس هناك ما يمكن أن يضاهي ما يدور في غزة من معارك لا إنسانية تولدها الحركة الصهيونية العالمية، والتي فاقت في بشاعتها، ومن ثم تأثيراتها الحرب الروسية - الأوكرانية، التي كان البعض يعتبرها، قبل اندلاع “حرب الأنفاق” الفلسطينية”، زلزالًا حقيقيًّا في العلاقات الدولية، ومنعطفًا يحمل تبعات جيوسياسية في أعمق معانيها. لا شك أن عالم اليوم مقبل على تطورات قد تكون غير مرتقبة. ولعل كل ذلك يكرس الحقيقة التي تقول إن “التاريخ لا يتوقف، لكن النظام العالمي ينتهي ويتغير”. فنتائج معارك غزة 2023، تختلف كمًا ونوعا، بل وتأثيرًا، عما سبقتها في مجريات الصراع العربي - الصهيوني. فهي اليوم تهز صلب ركائز النظام العالمي وتدك صلبان أعمدته الاقتصادية. وتبشر، وربما تنذر، بتكوين جنين نظام دولي جديد يتشكل في رحم الصراع العربي - الصهيوني. ولن تقف حدود تلك النتائج عند الأطر السياسية، بل سوف تتجاوزها إلى هياكله الاقتصادية. يرجع العديد ممن حاولوا تشخيص نشأة مفهوم النظام الدولي إلى اتفاقيات ويستفاليا (1644 - 1648) التي نجحت في وضع حد حروب القرن السابع عشر التي شطرت الجسد الأوروبي إلى دول قومية حلت مكان الإمبراطوريات الدينية القائمة حينها. فقد استندت اتفاقيات وستفاليا إلى مفهوم الدولة القومية باعتباره محددًا مركزيًّا تتمحور في فضائه السياسي والإستراتيجي الصراعات في أوروبا التي كانت يومها مركز العالم بلا منازع. وقد واصلت اتفاقيات ويستفاليا احتكارها كمرجعية لفض النزاعات الدولية، ونسبة عالية منها كانت أوروبية الأصل، وحكمت آليات سير النظام الدولي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918). ثم جاءت الحرب الكونية الثانية (1939 - 1945) كي تؤسس لنظام دولي ثنائي الأقطاب، الذي وأده انهيار الكتلة الشيوعية بقيادة روسيا، وحل مكانه نظام أحادي القطب استفردت فيه واشنطن بالتحكم في مصير العالم. ودخل العالم القرن الثالث وهو يئن من أزمات متلاحقة ولدتها السياسات الأميركية المتعجرفة المغرقة في أنانيتها، التي أدخلت العالم في حروب أفغانستان والعراق وآخرها أوكرانيا. هذا يقودنا نحو مرحلة “حرب الأنفاق الفلسطينية 2023”، التي هزت أركان العالم من قواعدها المفصلية، مبشرة بولادة عالم جديد.