عبدالناصر الذي نعرفه ونحترمه

| عارف العبد

ضجت وسائل الإعلام المصرية وانشغلت الأوساط السياسية في الأسبوع الماضي في القاهرة بالكلام الذي صدر عن سكرتير الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، لشؤون المعلومات، الدكتور مصطفى الفقي، بحق الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. وكان الفقي قد ألمح في حوار مع برنامج "الصندوق الأسود" الذي يُقدّمه الإعلامي الكويتي عمار تقي، وتبثّه حصراً "القبس الإلكترونية": إلى أن عبدالناصر وفي فترة ما بعد حرب 1967 ونتائجها المعروفة كان يشعر بالضيق والانزعاج، لهذا كان يزور أنور السادات في بعض الأحيان في منزله ويتناول في بعض المرات المشروب مع الجبنة البيضاء التي تقدمها زوجة السادات. ولما استفسر الصحافي المحاور عن المشروبات قال الفقي "أي مشروب.. متحبكهاش.. معظم الزعماء كانوا بيشربوا من ضغوط العمل وللهروب من الظروف الصعبة". هذا الكلام عن الزعيم العربي والمصري أثار ضجة وسخطاً وانتقاداً للفقي، ما دفعه للاعتذار علنا من جمهور عبدالناصر وعائلته وتحديدا من ابنته الدكتورة هدى. في كل الأحوال، بيت القصيد في هذا الأمر ليس تفاصيل ما قاله الفقي، وما قصده، فالمتابع للحوار يكتشف أن الفقي نفسه لم يكن في ساعة تركيز شديد، فقد تلفظ أكثر من مرة بأسماء شخصيات عن طريق الخطأ وتلعثم فيها، ما يدل على أن الفقي نفسه لم يكن في ساعة صفاء أو وضوح تفكير. على أية حال، لن تؤثر كلمات الفقي، وهي ربما غير مقصودة في تغيير صورة جمال عبدالناصر لدى كثر، فالرجل الذي لا يزال حتى الآن من أبرز رموز العرب في العصر الحديث، مات لكن تأثيره وأثره وأعماله ورمزيته واحترامه باق ومستمر، وليس المهم هنا، ما كان يشرب أو يأكل، بل ما كان يفعل، أو ما كان سيفعل لو أنه موجود.  وفي المقارنة بين الأوضاع الحالية، والأوضاع السابقة، فإن أسهم عبدالناصر تعود للارتفاع خصوصا في المقارنة مع حالات التشرذم والضعف العربي الراهنة، ومقدار احترام أو احتساب حال العرب وقدرهم على المستوى العالمي والإقليمي. فمن دون شك الدول العربية تراجع حضورها وثقلها على المستوى الدولي والإقليمي كثيرا في المدة الأخيرة، لمصلحة تقدم وسيطرة قوى دولية وإقليمية محيطة في المنطقة والوطن العربي، والتي لم يكن لها ذات التأثير والنفوذ فترة حكم وتألق عبدالناصر. ليس المهم ماذا كان يتناول عبدالناصر في منزل السادات بعد ما سمي بهزيمة 1967، أو النكسة، بل المهم ما الذي مثله وفعله هذا الرجل. المؤكد أن الأخطاء التي ارتكبت يومها، كثيرة وفادحة في فترة حكمه، وهي كبيرة وكبيرة جدا، وليس المجال الآن لتعدادها وسردها، فالرجل ارتكب مع من أحاط به أخطاء مؤلمة وقاسية وألحق بالعرب خسائر كما حقق أرباحا كبيرة ومجيدة وتسبب بخطايا كثيرة ومتعددة. لكن في المقابل أيضا فقد حفر عبدالناصر في وجدان الكثير من العرب وفي الوقائع السياسية، وأثبت أن الإنسان العربي له مكانة وكرامة ويحسب له حساب، قادر على الإنجاز وله مكان واسع وقوي وقدرة في العالم، إذا أراد وصمم وهذا هو المهم، وهذا ما بقي من عبدالناصر وهذا ما عرفه الناس عنه صادقا، منسجما مع نفسه ملتزما بقضايا المواطن المصري والعربي. بمعنى أنه مثل حقيقة وجدان وتطلعات الأمة التي انتمى إليها، لم يتخاذل، ولهذا تعلقوا به وأحبوه واحترموه واستمروا على ذلك.

كاتب وأكاديمي من لبنان