“البشت الحساوي” أكثر من مجرد عباءة
| د. إحسان علي بوحليقة
مهرجان “البشت الحساوي” الذي انطلق الأسبوع الماضي، في الأحساء بطبيعة الحال، شَرّقَ وغَرّبَ بذاكرتي؛ فقد كان ما عُرِضَ فيه من صور كافيًا ليأخذني لأيامٍ سكنت في غياهب ذاكرتي، فلحم أكتافي -كما يقال- من البشت الحساوي، إذ لن يغيب عن ناظريّ مشهد أبي عاكفًا لساعاتٍ محتضنًا “مِرّينة” (قماش البشت) ليصنع منها بشتًا. كنت أراقبهُ بشغفِ الطفولة، وهو يَشخُصُ بتركيزٍ منقطع فيما تطرزه يداه مِنّ نسقٍ ذهبي تتلاصق خيوطه لحدِ الاندماج راسمةً تصميمًا مُحكمًا، وفي حركةٍ دائبةٍ لا تهدأ بين شدٍّ لخيطِ الزري ثم إعادةِ غرس الإبرة من جديد، تتوالى إلا من وقفات قصيرة لارتشاف الشاي أو ابتلاع نَفَسٍ من “التتن”. وإن نسيت فلا أنسى، توجيه والدي لي عندما بينتُ له رغبتي في تعلّم حرفة خياطة البشوت، ردّ دون تردد: “لا يا يُبى، خلك في دراستك!”، أدركت بعدها أن سنوات عمل الشخص في هذه الحرفة محدودة بالفعل نظرًا لما تتطلبه من لياقة بدنية، ما يستوجب أن يتخارج مَن يمارسها مِن ممارسها، مع تقدم العمر، إلى مصدر دخل آخر، فضلًا أن عليه دومًا أن يدّخر جزءًا من دخله تحسبًا لتقلبات الطلب على البشت، فهي حِرفة وليست وظيفة، أجرُها بالقطعة. الآن، كما كل أمر صنعة، دخلت “الرقمنة” خياطة البشوت، فأصبح جّلّ ما يّصنع تطرّزه الآلة عبر تطبيق، ينتج بكميات كبيرة وبأسعار في المتناول، أما النزر اليسير فيطرز يدويًّا، وهو على درجات تحدد مرتبته مهارة “المُخَيّط” وجودة الزري وحياكة المرينة. ولا شك أن البشت يستحق الاحتفاء، فهو من الهندام الذي كان مما لابد منه بُدّ، ولاسيما فيما مضى، أما الآن فاستخداماته انحسرت كثيرًا، لكن تبقى له قيمة ثقافية وحضارية لا تتزعزع.