الإعلام العربي ولغة الجسد
| أسامة مهران
إعلامنا العربي ليس بخير، هكذا يمكنني القراءة، وهكذا يمكن لغيري الحكم، إعلامنا العربي لم يكن سباقًا، ولم يكن كاشفًا، ولم يكن على قدم وساق مع الإعلام الغربي، ليس في حرب غزة فقط، لكن منذ بدأت القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية في احتلال مكانتها الدولية المتعاظمة. تمكن الإعلام الغربي من إقناع المجتمع المسمى بالدولي أن أي اعتداء على المدنيين حتى لو كانوا مستوطنين إرهاب، وأن أية مطالبة من أصحاب الأرض الأصليين بالعودة حق غير مشروع، وأي تجاوز لهذه المفاهيم هو خرق للقانون واختراق للأعراف والتقاليد. بعد غزة وقبلها إعلامنا الرسمي فقد مصداقيته، وفقد رونقه، وفقد ميراثه الطويل الذي قام على أكتاف خبراء ومفكرين وإعلاميين كبار، فقد مثلاً كيفية الإطلالة الاحترافية على الشاشة الفضية، وتخلى عن التقاليد القويمة لعلم الإعلام الذي يقوم على احترام المشاهد وعدم استفزازه، والتعبير عن قضاياه وهواجسه. لغة الجسد التي يعتبرها علماء النفس الإعلامي من أهم المؤثرات الضوئية على المتلقي فقدت هي الأخرى أهميتها، بل وفقدت إطلالتها، ولم تعد تتحرك وفق قواعد احترافية لا تزعج المشاهد أينما كان، أهمها حركة الأيدي المستمرة المستفزة، وأهمها الصوت الذي يصل لدرجة الصراخ عندما يكون المذيع أو الإعلامي منفعلاً على الضيف ومختلفًا معه، وعندما يفقد الإعلامي صوابه ورشده كمحاور لبق ودقيق ومهذب، مع هذا الضيف يسأل وينتظر الإجابة منه لا أن يسأل ويجيب ويقاطعه إذا انبرى في الحديث المستفيض. هكذا أصبحت لغة الجسد غير مؤثرة وغير مدروسة بعناية من إعلاميينا العرب، وهكذا أصبح التأثير بالغًا على المُشاهد، والإقناع فاترًا للمتلقي، والدخول إلى بيوت الناس بالملابس غير الرسمية ملوثًا للذوق العام، وبالصوت العالي محطمًا لقواعد الصناعة، وبالحركات غير المناسبة مهيمنًا على المشهد الإعلامي العربي. لقد اهتم إعلاميونا ومعظمهم من غير الدارسين أو الممارسين السابقين بالمظهر الخارجي بـ "البراند"، والاستعراض السطحي للثقافات الوافدة والانجرار البوهيمي لكل ما هو صارخ وليس لكل ما هو هادئ، مؤثر، ولائق، وجذاب وحصيف. و.. يبدو أن "الترند" الإعلامي حقق الكثير من الأهداف المحطمة لقواعد الإعلام بعد أن ظهر الكثيرون مرة أخرى ليلمحوا بألفاظ ترتبط بالضجة والضجيج أكثر من ارتباطها بفضح جرائم العدو في غزة والضفة وما بينهما. لغة الجسد فشلت عربيًا، ولم تفشل غربيًا، تماهت على شاشاتنا، ولم تصبح كذلك على شاشات الغير، حتى الصحافة على تحفظها، والمواقع الإلكترونية والإعلام الاجتماعي على تماديه لم يستطع تغيير نظرة الغير إلينا، ولا مفهومه عنا، ولا فهمه لقضايانا المشتبكة المرتبكة المتفشية. "غزة" تنجح إعلاميًا رغم نجاحها إنسانيًا، لم تستفد من تجاوزات إسرائيل في حقها لتحول الهزيمة العسكرية إلى نصر مؤزر في أي اتجاه وأي مجال، لكننا نجحنا في التعتيم المبرمج قبل أن تنكشف الغمة ويتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود. بالنتيجة نحن نمتلك إمكانيات إعلام مؤثر وقوي، متمكن وكاشف ومتألق، لكنه لا يفعل.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية