ماذا فعلت الحرب في اقتصاد إسرائيل؟

| د. إحسان علي بوحليقة

لا ثمنَ يَعَدُلّ إرهاق الأرواح وتشريد الأمنين، ومن منطلق أن الحرب هي حروب وبمسارات عدة تتوازى وتتقاطع، فيُطرح السؤال: ماذا فعلت الحرب في اقتصاد فلسطين؟

بالإجمال دمرّتهُ؛ إذ يتوقع تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه بسبب الحرب حدث نكوصٌ في مؤشر "التنمية البشرية"، يتراوح ما بين 11 إلى 16 عاماً، في كلٍ من غزة والضفة الغربية، ويشمل المؤشر المُركب مؤشرات التعليم والصحة والاقتصاد التي تساهم متضافرة في التنمية البشرية.

والتدمير لم يقتصر على تخريب التنمية البشرية بالإجمال، فثمة تفاصيل ترسم صورة أكثر دقة، حيث أعلن المكتب المعني بالإسكان في الأمم المتحدة أن 45 % من مساكن غزة دمرتها الحرب حتى الآن، و51 % من المرافق التعليمية دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية، ومن بين 35 مرفق صحي تسعة فقط تعمل جزئياً، وأن نحو 400 ألف وظيفة عمل تبخرت منذ بداية الحرب.

بالمقابل، ماذا فعلت الحرب في اقتصاد إسرائيل؟ حولته لاقتصاد حرب، حيث حشدت إسرائيل كل مقدراتها الاقتصادية لتصبح أسلحة؛ 300 ألف موظف أصبحوا جنوداً، ورصدت ربع مليار دولار يومياً للإنفاق على الحرب، والبنك المركزي رصد 45 مليار دولار للدفاع عن الشيكل حتى يحافظ على قيمته من الانهيار. هذا تحدثنا عنه سابقاً. وهناك من يقول إن إسرائيل تمتلك اقتصاداً يمكنها من حشد إمكانات واسعة لمساندة المجهود الحربي، فضلاً عن أنها تتلقى إعانات منتظمة من الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية.

أما المستجد فهو أن إسرائيل تلقت "جروحاً" غائرة “وكسوراً" يصعُب جبرها في نقطة قوتها التقليدية المحورية، وهي تَصَدّرّ سرديتها وروايتها ووجهة نظرها في الغرب بشأن فلسطين والتي تناقض السردية والرواية الحقيقية. في هذه الحرب، تلقت إسرائيل انتقادات غير مسبوقة من كل المستويات والاتجاهات والقارات ومن الحكومات والبرلمانات والجمعيات والتجمعات، فقد شهد العالم بأسره -بما في ذلك الغرب- سلوك إسرائيل اللاإنساني وطغيانها على الأرواح في حربها على غزة، مما هَتَكَ تلك السردية وألحق ضرراً بالغاً في "سُمعَة" إسرائيل، وهي التي قضت دهراً تبتدع لها صورة مُتخَيّلة وأنفقت المليارات تصنع سياقاً ملائماً لترويج سرديتها عالمياً. الآن، فصولٌ عدةٌ من تلك السردية بعثرها تشريد النازحين ونزوح المشردين، أما السياق فقد غطت أجزاءً منه أشلاء الأجساد البريئة. والنتيجة تدمير فادح لسمعة إسرائيل عالمياً والأهم في الأوساط المنافحة عنها والداعمة لها، بما في ذلك الحكومات، بدليل حدوث تحولات تدريجية في مواقف أقرب حلفاء إسرائيل، كما شاهدنا من تحولٍ -وعلى الملأ- في موقف الرئيس الفرنسي قبل أيام، وتحولاً طفيفاً في خطاب المستشار الألماني، أما تحول موقف الرئيس الأميركي بايدن فقد وثقهُ في مقالة رأي نشرها في صحيفة واشنطن بوست أمس الأول.

والخسائر الجسيمة لا تقتصر فقط على السمعة والقوة الناعمة، إذ ليس من شك أن استمرار حرب إسرائيل على غزة يُلحق خسائر مباشرة بتجارة إسرائيل الدولية وفي تدفقات الاستثمار على اقتصادها. وهكذا، فتصرفات إسرائيل اللاإنسانية خلال الحرب تخفض وضعها  في الأسواق الدولية وتضعف ثقة المستثمرين، بما قد يردع الاستثمار الأجنبي والشراكات التجارية.

هذه خسائر ألحقتها إسرائيل بنفسها نظير الاستخفاف بالمعاناة الإنسانية للفلسطينيين؛ بأرواحهم وبصحتهم وبمأواهم وبأمانهم، ونسيت أنها قوة احتلال عليها تكاليف ومسؤوليات قانونية.

د.إحسان علي بوحليقة

مؤسس مركز جواثا الاستشاري