من نظام الدولة السيدة إلى سيادة رجال الأعمال

| عارف العبد

المتعارف عليه أن بعض الدول توصف بالأنظمة المستبدة إذا ما كان نظامها السياسي فرديا أو حزبيا أو كليانيا أو توتاليريا، والتجارب والنماذج في هذا الإطار كثيرة ومتعددة في العالم ومن حولنا. وقد حددت اتفاقية وستفاليا 15 مايو عام 1648 العلاقات بين الدول بعد حرب استمرت 30 سنة في أوروبا آنذاك، وكرست ما عرف ويعرف حتى الآن بأول اتفاقيّةٍ دبلوماسيّةٍ في العصرِ الحديثِ، وقدْ أرست نظاماً جديداً منذ ذلك التاريخ في أوروبا الوُسطى والغربيّةِ والعالم مبنياً على مبدأِ سيادةِ الدولِ التي انبثقت منها الأنظمة السياسية ونظمت العلاقات بين هذه الدول والأنظمة، وقد حفل التاريخ بالكثير والعديد من التجارب السياسية بمختلف الأنواع والحروب والتجارب والاتفاقات.. إلخ.

هذا في عصر الدولة السيدة ضمن حقبة بداية تطور النظام الرأسمالي العالمي الكوني لكن ما يعيشه العالم اليوم خلال ما بات يعرف بأرقى وأعلى مراحل العولمة والعصر الإلكتروني الجديد الذي حول الكرة الأرضية إلى قرية كونية واحدة وصغيرة، هي ظاهرة ديكتاتورية ونفوذ وانتشار وتمدد سيادة رجال الأعمال، ويمثل نموذجها الجديد والأبرز رجل الأعمال الكندي الأصل إيلون ماسك، مالك شركة تسلا الذي يعتبر أغنى رجل في العالم، والذي اشترى شركة تويتر قبل أن تتحول إلى إكس. إيلون ماسك على سبيل المثال، بات كما الدول العظمى، يتحكم بمصائر شعوب وبلدان ويحدد مصير مناطق وأوطان، ويقرر في حالات السلم والحرب بين الدول. آخر النماذج والتجارب، قراره بأن يعطي الإنترنت إلى قطاع غزة المحاصر، أو لا يعطي.

في لبنان، على سبيل المثال شرعت وزارة الاتصالات في إعداد خطة لمواجهة احتمالات الحرب، في حال تعرضت شبكتها للتدمير من قبل إسرائيل. فقرر لبنان، شراء الإنترنت من ايلون ماسك عبر الأقمار الاصطناعية التي يملكها.

آخر ما كشفه ماسك نفسه، يثبت تحكمه بمصائر البشر والدول، حيث أعلن أنه رفض تشغيل شبكته الفضائية للإنترنت وأقماره الاصطناعية فوق منطقة القرم، حين قرر الجيش الأوكراني شن هجوم على الأسطول الروسي لإغراقه، فلم يوافق ماسك على تشغيل أقماره الاصطناعية وتزويد الصواريخ الأوكرانية بالإنترنت، لكي تصوب قذائفها على الأسطول الروسي، فأحبط الهجوم ونجا الأسطول الروسي من الغرق بفضل قرار ماسك رجل الأعمال البارز، الذي بات ظاهرة سلطوية جديدة لها إيجابياتها وسلبياتها.

فهل من وستفاليا قادمة خاصة برجال الأعمال؟ تنظم سلطتهم وتستفيد البشرية منها، أم ستنفلت القوى الكونية لرجال الأعمال من عقالها؟.

 

كاتب سياسي وأستاذ جامعي من لبنان