غزة تحت الصمت
| أسامة مهران
"مذ كان أقصانا يؤاخذنا.. مذ كان مسجدنا ينادينا، يا ربُ، قد هدمت ملاجئنا.. من كان بعد الرب يأوينا، القدرُ لم تحمي مناسكنا، والليلة الظلماء تطوينا، أكفاننا لا تكفي موتانا، وعري الروح لم يحيي جثامينا، الأمر بالمعروف كالمنكر، والصبر يا أيوب يرضينا".
كانت ليلة الجمعة الماضية نذيرا لقيامة مبكرة، ليوم حساب دام، لعقاب من لم يقف شامخاً على حافة المذبحة، ومن لم يمت بكبرياء قبل أن تصدأ الأسلحة، كانت ليلة لعوبا بكل مقاييس الفداحة والغطرسة، بكل معايير الجريمة المنظمة وتلك التي تعاقب عليها كل القوانين والأعراف الدولية.
قطعوا الإنترنت والكهرباء والماء عن شعبنا في غزة، حرموهم من نعمة التواصل مع العالم، من مغفرة الرب عندما تسمح لهم التكنولوجيا بالاستغاثة، وعندما يلين قلب إيلون ماسك أو مارك زوكربيرج بالصراخ عبر تويتر أو فيسبوك رغم ملاحظاتي السلبية على الأخير، حرمهم حتى من الشكوى قبل القتل، ومن الشهادة قبل الشهادة.
أما محاولات الأشقاء والأصدقاء بإعادة التيار السحري من خلف "بلطجي" الساعات الأخيرة في الحياة، فقد باء معظمها بالفشل، لم يستطع الأشقاء الوصول للمقابر مبكراً، ولا حضور "الغُسل" قبل الدفن مباشرة، حتى أطفالنا الذين فقدوا براءتهم لأنهم لم يعيشوا الحياة من الأساس، حرموهم من صرختهم الأخيرة، ومن نداءات استغاثاتهم المبكرة، اكتفوا بالموت في أكفانهم البيضاء، وإلقاء ابتسامة ساخرة على أمة بني الإنسان، قبل أن ينتهي كل شيء.
عشنا ليلة الجمعة الماضية وكأننا في انتظار "الموقف العظيم"، أو كأننا على رؤوسنا الطير، نضرب أخماسا بأسداس، نحصر أعداد القتلى فنخطئ في العد، نتابع الفضائيات فلا نرى غير سرادق عزاء ممتد لعائلة الزميل وائل الدحدوح مراسل الجزيرة في غزة، الكل يبكي ويتذكر، والكل يحاول أن ينسى ويتعثر، والكل يسعى لرأب الصدع فيفشل ويتحسر، ماذا بعد قطع الإنترنت والماء والكهرباء، إخفاء جرائم ضد الإنسانية في القطاع المعبأ بالمقاومة ورائحة الموت، وأصوات الاستغاثات المتبقية من تحت ملايين الأطنان من الركام والحطام والأطلال بدت كما لو كانت قططا تعوي في جنح الظلام.
ليلة من دون وسائل اتصال أو تواصل، وأيام أخيرة قبل القيامة لكننا لا نرى السيد المسيح وهو يهدي بالتي هي أقوم، ولا المهدي المنتظر وهو يقود البشرية لمقاومة العدو الصهيوني الغاشم، ولا حتى "المسيخ الدجال" وهو يمارس جبروته في الخداع والتحايل على أمة العرب والمسلمين.
ليلة الجمعة الأخيرة من الزمن المحسوب بالضحايا مرت ولم تمر، بين هجوم بري مع إيقاف التنفيذ، ودفاع مستميت من رجال الأمة على حدود غزة الشمالية، ثم بين جمعية عامة لأمم غير متحدة تطالب بوقف فوري للعدوان على المدنيين في غزة، وبيان مشين من الصهاينة وبايدن يصف موقف الأمم المتحدة بـ "المشين".
انتهت أطول ليلة في التاريخ، ولم يبدأ التاريخ في مطاردة المجرمين، أو اللحاق بالمتواطئين، أو محاكمة جمهور المشاهدين، "وإنا لله وإنا إليه راجعون".
كاتب بحريني