أيّها المحيط... أنا أيضاً أقول: آه يا يبه!

| غسان الشهابي

كان العام 1980 بالنسبة لي جديداً في كل شيء، فيه انتقلت إلى الهداية الخليفية، وفيه درست في مبناها التاريخي العتيق، وفيه رأيت طلاباً لأول مرة يأتون من كل مناطق المحرق، باختلافاتهم وانتماءاتهم، وفيه لأول مرة أرى الأستاذ عبدالحميد المحادين.

رجل لم يسع أبداً للبروز وقرع الطبول، لم يشأ ذات يوم أن يقف في الصفوف الأولى، لم يختر أبداً إلا أن يكون في صفه، في مدرسته التي لم يغادرها إلا للجامعة، ولم تكن هناك مدرسة أخرى يمكن أن تسعه، ولم يكن قلبه يتسع لغيرها. في سنوات قلائل، صار الأستاذ المحادين - بعد وصوله البحرين سنة 1960 - جزءاً أصيلاً من تاريخ هذا البلد، منذ أن سمع بالبحرين لأول مرة سنة 1950 في دروس الجغرافيا.. منذ أن قرأ إعلاناً بالصدفة في صحيفة ثمنها قرش حاجة البحرين لمعلمين.. منذ أن قابله في القدس مدير تعليم البنين الأستاذ يعقوب القوز، ليتفق معه على المجيء معلماً إلى البحرين، منذ أن علم أنه ستخصص له هنا غرفة فيها “بانكه” ولم يسأل ما “البانكه” هذه، ولم يسأل عن راتبه بالروبية كم يساوي بالدينار الأردني، فشوقه للبحرين كان يسوقه سوقاً لأن نربحه، ونحظى به، ليحبّر جانباً مهماً من وجداننا، فكان - كما يصف نفسه - جاء متبّلاً بتراب المحرق ناسها، وبات على شك انه وُلد فيها أيضاً لشدة ما اندمج بحب متبادل مع أهلها وأهل البحرين قاطبة.

المحادين.. هكذا من دون ألقاب، لم يشأ أن يكون مجرد موظف، معلم، عابر، بل صار جزءاً من تاريخ البحرين، كما صار تاريخ التعليم في البحرين جزءاً أصيلاً منه، فهو أكثر من كتب فيه مؤرخاً، وجامعاً، وسارداً. المحادين... ليكون أقرب ما يكون من دون ألقاب، وقف لتأبين الأستاذ أحمد العمران قائلاً: “من المستحيل أن تضع المحيط في قارورة، وأن تختصر البستان في مزهرية”، وهي وإن لم تكن مقولته، فكانت أجمل ما قيل في العمران. المحادين... الذي تشرب ثقافة هذا البلد، كتب ذات مرة “كل المتألمين ينادون أمهاتهم... إلا النهام في البحر يقول: آه يا يبه... وأنا أقول: آه يا يبه”!

* كاتب بحريني