قمة القاهرة للسلام

| أسامة مهران

وكأننا أمام قمة عربية مات على إثرها جمال عبدالناصر في الثامن والعشرين من سبتمبر عام ١٩٧٠، الفرق الوحيد أن الفرقاء لم يحملوا أسلحة نارية، ولا أسلحة بيضاء، لكنهم كانوا مدججين بالمواقف المتباينة، بالتصورات، والفوبيا المتعالية، بالاستعلاء والاستجداء، بغض الطرف عن حقوق، والتشبث بنفس الحقوق، قمة القاهرة العالمية للسلام، العالم الذي جاء إلى أرض الكنانة ليس ليبهر نفسه بالأهرامات، أو لينتشي بالأجواء الخريفية المدهشة في شرم الشيخ أو الغردقة أو الساحل الشمالي العجيب، جاءوا ليضعوا حدا للقتل والمذابح التي استمرت زهاء الأسبوعين على شعبنا الأعزل في غزة، لوقف العدوان الوحشي على المدنيين في القطاع المهضوم حقه من جميع المدعين والمروجين لما يسمى بحقوق الإنسان، مؤتمر السلام انتهى واختتمت أعماله من دون سلام، من دون بيان ختامي، لأن الجانب الأوروبي أصر على عدم إدانة قتل المدنيين الأبرياء من الفلسطينيين، مع الضغط بأن تكون الإدانة لمن يقتل المدنيين غير الأبرياء في إسرائيل "البريئة"، اختلف القادة ورؤساء الحكومات ومسؤولو المنظمات الدولية على المسميات والاكلاشيهات، والزنكوغرافيات، والشكليات، ولم يختلفوا على تناول الشاي والقهوة بين الجلسات، أو في بهو المؤتمر الكبير. كان التهديد والوعيد من وكلاء العدو للعرب المتألمين، من الأوروبيين على معاداتهم من مخلوقات على وجه الأرض. بين منتجي التكنولوجيا الفائقة، ومستهلكيها الأشاوس، بين القادر على الاختراق في أي وقت ولأي مكان، وغير القادر على حماية أرضه وعرضه وزرعه وضرعه في أي وقت وأي مكان، من يملك الحضارة بمفهومها الحديث، المتعالي، ومن يمتلك الحضارة بمفهومها القديم المتواضع.

هو بالتحديد صراع بقاء من أجل البقاء، وصراع إرادات عندما تضعف الإرادات وتهون الكرامات، وتتأجج الصراعات.

غزة ستضرب من جديد، وشعبها الأعزل سيهجر إلى المقابر من جديد، والمساعدات المصرية أو العربية ستمنع عند معبر رفح وتشتعل المظاهرات والاحتجاجات في كل عواصم العالم العربي من جديد، أما الإسرائيليون فسيواصلون العدوان والقتل والتنكيل، والتجويع والحصار والتشريد لملايين من العرب المسلمين، القضية لم تطرح على المجتمع الدولي المزعوم ليناقشها بالعدالة المطلقة، في ظل غياب العدالة المطلقة، ومؤتمر القاهرة للسلام ستطوى صفحته غير آسفين عليه وغير نادمين على مشاركة أطراف جادة فيه، وعدم وجود بيان ختامي لم يعد مهما طالما أن المصريين أصدروا بيانا واضح المعالم، محدد الاتجاهات، متوافقا مع ثقافتنا العربية، وقممها الشكلية، وجامعتها الضعيفة، ومسؤوليها الذين فقدوا القدرة الفائقة على الخطابة، والإمكانيات الفذة في إصدار البيانات الصوتية، والمخطوطات فائقة الجودة. انتهى مؤتمر السلام القاهري من دون سلام، من دون كلام، ومن دون أي أمل في وضع أقل دموية، وأكثر اطمئنانا على شعب عربي أصبح في عهدة الزوال.

كاتب بحريني