الحرب دائرة في غزة وفي الجامعات الأميركية الكبرى

| د. إحسان علي بوحليقة

يبدو أن الحرب الدائرة بين حماس وإسرائيل مختلفة على أكثر من صعيد، حتى وصلت إلى جامعة هارفارد. فما الذي حدث في جامعة هارفارد، حتى يثير رؤساء شركات كبرى استمرت تقدم الدعم المالي للجامعة المرموقة لسنوات؟ والملفت أن امتعاض رؤساء تلك الشركات تجاوز التهديد بالتوقف عن تحرير الشيكات، إلى مطالبة الجامعة بتقديم قائمة بأسماء الطلاب ممن أظهروا تعاطفهم في الحرب الدائرة مع فلسطين أو معارضتهم لإسرائيل، بتهمة معاداة السامية. كما تعهّد رؤساء تلك الشركات بحرمان الطلاب، ممن ترد أسماؤهم في تلك القائمة، من الفرص الوظيفية في شركاتهم؟ لم يكن الحدث عابرًا، بل حدث جوهري لدولةٍ تتغنى باستقلال الجامعات والحرية الأكاديمية الكاملة. ودلالة على جوهريته أنه كان محل اهتمام من الصحافة الأميركية الأكثر تأثيرًا، فأول من أورد خبر التطورات جامعة هارفارد صحيفة “يو إس أيه تودي” (USA Today). يبدو أن من الآثار الجانبية للحرب الدائرة، أن وضعت نهايةً لاستقلالية الجامعات الأميركية، وهناك مثالان: المثال الأول المتقدم ذكره أعلاه من هارفارد، والثاني من جامعة بنسلفانيا، وهي كذلك من كبريات الجامعات الأميركية. تتعرّض البروفسورة ليز ماجيل رئيسة جامعة بنسلفانيا لضغوطٍ بطردها، أو بانسحاب أثرى مموليّ الجامعة إن لم تغادر السيدة ماجيل منصبها. التهمة أنها تسمح بمعاداة السامية. ما الدلائل: أنها سمحت بقيام مهرجان للأدب الفلسطيني في كنف الجامعة الشهر الماضي.

هاتان الجامعتان ليستا الجامعتين الوحيدتين اللتين يلوح بعض مموليهما بحجب دفاتر شيكاتهم، إلا إذا انعدم أي تعاطف مع فلسطين. والنقطة هنا ليس في أن يتعاطف الطلاب في الجامعات الأميركية مع الفلسطينيين أم لا، أو أن يتخذوا موقفًا من الحرب الدائرة حاليًّا فذلك شأن كل طالب، وكل ما هو مطلوب: أن يكون للطالب حرية تكوين رأي، وأن يكون للمؤسسة الأكاديمية ولمنسوبيها الاستقلالية الأكاديمية، فنحن هنا نتحدّث عن أعرق وأرفع مؤسسات التعليم العالي عالميًّا، فهي منارات للعلم وللتنوير، أو ينبغي لها أن تكون كذلك. ثم أن النقاشات والتجاذبات بين الطلاب في الجامعات الأميركية أمر معتاد، فهناك جمعيات ومنظمات ذات أجندات متعارضة تمامًا. أذكر أثناء دراستي في جامعة وسكنسن أن المناظرات والنقاشات بين العرب والإسرائيليين كانت لا تنتهي في كل تصعيد تعيشه المنطقة العربية. لا أذكر أن إدارة الجامعة تدخلت قط، ولا أذكر أن مانحًا سحب أمواله.

كل ما في الأمر أن طلابًا في العديد من الجامعات في طول الولايات المتحدة وعرضها أعربوا عن رأيهم في الحرب بين إسرائيل وحماس، وأن المانحين هدّدوا بالتوقف عن دفع المال، إلا إذا منعت إدارة تلك الجامعات طلابها من إبداء آرائهم!.