الاحتواء الرقمي المالي وتمكين المرأة 1-5

| عبيدلي العبيدلي

لم يعد الاحتواء المالي الرقمي (Digital financial inclusion) مجرد دعوات يبشر بها خبراء الاقتصاد لمفهوم نظري قادم للاقتصاد العالمي ومحركاته المالية.

بل هو اليوم محرك مفصلي ملموس من محركات النمو الاقتصادي. وبالقدر ذاته لم تعد الاقتصادات المتقدمة في الدول العظمى قادرة على احتكار هذا المفهوم في إطاره النظري. وبالقدر ذاته وجدناها تفشل، بفضل ذلك، إمكانية حجب تطبيقاته المباشرة عن البلدان الفقيرة أو حتى الصغيرة. فوجدنا دولًا صغيرة من حجم سنغافورة تتقدم صفوف البلدان التي تحمل رايات التبشير بمزاياه، وتطبق مقاييسه على نطاق لا بأس به في قطاعاتها الاقتصادية الريادية. وعلى نحو مواز هناك دول أخرى كبيرة، لكنها لا تزال نجدها تصنف في خانات معسكر البلدان النامية مثل الهند، ذات الاقتصاد الضخم، تستعين به في مشروعاتها الريادية المستقبلية لتمكين الفئات المهمشة اقتصاديًا في المجتمع، وفي مقدمتها المرأة، وعلى وجه الخصوص النساء القاطنات في المناطق الريفية، واللواتي هن في أمس الحاجة إلى الخدمات التي يمكن ممارستها عن بعد. وهذا هو صلب ما توفره لها الخدمات المالية المرقمنة.

ونظرًا لحداثة هذا النمط من "الاحتواء"، وضبابية قدراته "الاحتوائية" و"التمكينية"، وعلى وجه التحديد علاقاته التأثيرية في مشروعات تمكين المرأة وتعزيز مكانتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي بأبعادهما التنموية، نجد ضرورة التوقف عند بعض التعريفات التي يثير الجدل بشأنها مثل هذا المفهوم.

ونبدأ هذا المشوار بالتوقف عن مفهوم الخدمات المالية الرقمية (Digital Financial Services). وجوهر عموده الفقري هو "مجموعة واسعة من الأدوات والمنصات الرقمية المصممة لتسهيل المعاملات المالية والمدخرات والائتمان والتأمين". وتشمل الأمثلة "الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والمحافظ الرقمية ومنصات التكنولوجيا المالية. وتفيد هذه حلول الخدمات المالية، التي تسخر التكنولوجيا الرقمية للسكان المحرومين والمستبعدين ماليًا، تتقدم المرأة صفوفهم".

أما الاحتواء المالي (Financial Inclusion)، فيمكن القول إنه توفير المقومات التي تساعد المستفيد، ممن يحتاجون لها، على "الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية واستخدامها من قبل الأفراد والشركات، بغض النظر عن وضعهم الاقتصادي"، مع التشديد على الدور الحاسم الذي يمكن أن يمارسه في "الحد من الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال تعزيز الاستقرار المالي، وتمكين المدخرات، وتعزيز الفرص الاقتصادية".

هذا يوصلنا إلى ما نحن بصدد معالجته وهو الاحتواء المالي الرقمي (Digital Financial Inclusion)، وهو ذلك المصطلح الذي يشمل "عملية ضمان وصول الأفراد والشركات، وخاصة أولئك الذين يعيشون في المجتمعات المحرومة والمهمشة، إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرقمية المناسبة، ويمكنهم استخدامها بشكل فعال. وتشمل هذه الخدمات عادةً الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، والمدفوعات الرقمية، وخيارات الادخار والائتمان عبر الإنترنت، والأدوات المالية الأخرى المتاحة من خلال التكنولوجيا الرقمية، مثل الهواتف الذكية والخدمات التي تولدها الإنترنت".

يهدف "الاحتواء المالي الرقمي" إلى تزويد الأفراد والشركات بوسائل الوصول إلى الخدمات المالية وإدارتها واستخدامها بشكل مريح وآمن، حتى في المناطق التي قد تكون فيها البنية التحتية المصرفية التقليدية محدودة أو غير متوافرة. ويهدف هذا المفهوم إلى تعزيز النمو الاقتصادي، والحد من الفقر، وتمكين الأفراد، وخاصة النساء وأولئك الذين يعيشون في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، من خلال منحهم سيطرة أكبر على مواردهم المالية والوصول إلى فرص الادخار والاستثمار والاستقرار المالي.

هنا نصل إلى مربط الفرس وهو تسليط الضوء على الدور الذي يمارسه التحول الرقيمي المالي في مشروعات تمكين المرأة، وتعزيز حضورها المنتج في خطط التنمية الاقتصادية، وبرامج النمو التي ترافقها.

فعلى الرغم من التقدم التي نعمت به المرأة في الآونة الأخيرة في مجال تعزيز دورها في عمليات الإنتاج والنمو، ليس في الاقتصادات المتقدمة فحسب، بل حتى في البلدان النامية، بما فيها تلك المصنفة في خانة الفقيرة، لكن، لا تزال النساء في أجزاء كثيرة من العالم يواجهن تحديات مالية فريدة من نوعها، بما في ذلك محدودية الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، وانخفاض الدخل، وتفاقم واقعها المالي الضعيف.