صوت للضحية.. صوت للجلاد
| أسامة مهران
كنت واقفا أمام جمع غفير من الناس، أحاول أن ألقي خطبتي الأسبوعية، فإذا بالغارة تلو الأخرى تهجم وتهدم وتحطم، خرج الطفل وحيدا من تحت أنقاض المخيم، باحثا عن أمه، عن أبيه، عن سماحة الشيخ، عن ذويه، لم يسمعه جار أو مغيث، لم يلتق بلعبة العروس والعريس، ولا الحلم البعيد قبل أن يغوص الدم في قلب تفتت في الجليل، ولا عمر تماهى في الخليل، ولا القدس أو طيف عكا أو قسيس، كل ما هنالك أرض بلا شعب، وشعب دون أرض، هكذا يبشر المثقفون العرب في بيان استثنائي، في ثلاث رسائل موجهة قذائفها نحو العرب الأبرار، والزملاء الأحرار، والمستعمر الجبار. لا فرق في رسائل المثقفين العرب بين صوت الضحية وصوت الجلاد، صبحة القاتل وصرخة المقتول، دمعة القريب وخدعة الحبيب، لا فرق عند مثقفينا وهم يؤبنون شهداءنا في غزة، وهم يستنفرون العالم الحر، ويرفعون عنه الحرج، لا فرق بين مقتل القمر، وبعثه بدرا من جديد، لا فرق بين نهار أم يشرق ونهار لا يغيب، إنه اليوم الأخير، وهو آخر الزمان وأول الغيث، مواقف عربية تؤخر القيامة لساعات، من مصر، من السعودية، من الأردن والعراق واليمن غير السعيد. أين الدم البارد يا شهيد، وأين أنتم يا بنو البدعة في تل أبيب، يا أصدقاء البيت المهمل وأرباب البيت العتيق، هاتوا لنا حجتكم، وأعينوا علينا سلاطينكم وحاملات طائراتكم، وغلافكم الجوي المحمل بالذخائر والكبائر والطواغيت. “أيها الواقفون على حافة المذبحة. أشهروا الأسلحة.. سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة. والدم انساب فوق الوشاح، المنازل أضرحة، والزنازين أضرحة، والمدي أضرحة، فارفعوا الأسلحة.. واتبعوني، أما أنا فمازلت منتظرا على أحر من الجمر، أمل دنقل، وهو ينعى شهداءنا، ويبكي مع زرقاء اليمامة، ويندب حظنا المقتول، على قبلة سبارتاكوس الأخيرة، من قال لا، في وجه من قالوا نعم، من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال لا فلم يمت، وظل روحًا أبدية الألم.
* كاتب بحريني