بين أوكرانيا وفلسطين
| عارف العبد
كان من الطبيعي والمتوقع أن تسارع الولايات المتحدة الأميركية إلى دعم إسرائيل والوقوف إلى جانبها في الحرب ضد حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية المسلحة باعتبارها حليفا استراتيجيا لتل أبيب، إلا أن غير الطبيعي والذي يدعو للاستغراب موقف الدول الأوروبية قاطبة التي وقعت في مطب ازدواج المعايير في التعامل مع الأحداث السياسية والأمنية الجارية بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، ومبدأ حقوق الإنسان وحرية الشعوب وحق تقرير المصير، والذي وقف خلف الموقف الأوروبي في التصدي للغزو الروسي لأوكرانيا. المنطق والمنطلق نفسه الذي ارتكزت إليه دول الغرب الأوروبي قاطبة وهذا حقها، في التصدي لروسيا بوتين للدفاع عن أوكرانيا المعرضة للغزو، والتي اعتبرت أنها احتُلت من روسيا من غير حق، هذا المبدأ نفسه تبدلت أولوياته وخياراته ومستنداته وغاب اعتماده تجاه مطالبة الشعب الفلسطيني بحقه في استرداد أرضه. كيف تكون المقاومة ضد الغزو والاحتلال الروسي لأوكرانيا مشروعة في أوروبا ومرفوضة في فلسطين؟ من قبل شعب محتلة بلاده ومطرود من أرضه ووطنه ودياره ومسلوبة حقوقه المدنية والسياسية والإنسانية؟ الشعب الفلسطيني لم يهرب من الحلول السلمية أو يعطلها، بل ناصرها وسعى وعمل لها، لكن الذي أطاح بها باستمرار كان الحكومات في إسرائيل التي قوضت عمليات السلام ورفضتها. وافق الفلسطينيون على عملية السلام التي انطلقت في أوسلو لكن إسرائيل عطلتها وخربتها ورفضتها والتفاصيل معروفة ومعلنة وبائنة. حتى مبادرة مدريد عطلتها إسرائيل وبقيت على موقفها الرافض للمبادلة بالأرض مقابل السلام، وتراجعت عن وديعة رابين الشهيرة وأطاحت بالعملية السلمية. وافق الفلسطينيون على المبادرة العربية للسلام 2002 التي أقرتها قمة بيروت العربية ودعمتهم أوروبا، لكن إسرائيل بقواها المتطرفة الرافضة للسلام والحلول السلمية لم توافق على حل الدولتين، حيث أبقتها حبرا على ورق، وعلى الرغم من ذلك لم تقف أوروبا بوجه الرفض الإسرائيلي، وقفت فقط بوجه الحق الفلسطيني اليوم وساوت بين الجلاد والضحية. أوروبا المناصرة للشعب الأوكراني المحتل الذي يقصف مدن روسيا في بعض الأحيان، هي نفسها التي تخلت عن الشعب الفلسطيني اليوم في هذه المواجهة الشرسة في غزة حيث يموت السكان وتطمر العائلات والنساء والأطفال تحت ركام الأبنية وحمم القذائف. الدم الأوكراني في أوروبا لونه أحمر، وثمنه مقدر ومرتفع ومدعوم، أما في فلسطين فدماء وأرواح الفلسطينيين يبدو أنها من دون لون أو قيمة.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان