زاوية حادة
| د.حورية الديري
بمجرد أن نفتح المجال للنظر فيما نتفق عليه أو نختلف فيه نحن البشر، تبدو هناك عدة زوايا وأبعاد قد تتمايز فتظهر معها آفاق لما قد يأتي بجديد مختلف متنوع، وما قد يولد طاقة نشاط جبارة لا حد لها، ذلك طبعًا حسب رؤية كل منا وعمق درجتها، منها ما يلتقي وفيها الكثير مما قد يختلف، لذلك نرى أنفسنا وفي مختلف النقاشات ولحظات إبداء الرأي، نتهافت على وجهات النظر من زاوية معينة، دون التركيز في نوعها: حادة، قائمة، أو حتى منفرجة، وهذه ما تدرجت فيها مواضيع مادة الرياضيات التي حققت معنا صولاتها وجولاتها في سنواتنا الدراسية لنتحدى أنفسنا في إثبات مهاراتنا في اكتساب القدرة على التحليل الهندسي، وبصراحة لم أجد جدوى أكثر من استخداماتها إلا في هذا التحليل المنطقي لزاوية من النظر لدى بعض البشر. وهنا أردت التعبير عن الزاوية الحادة في النظر، والتي أعتبرها أصل الخبرة وتوظيفها في الوقوف على أدق التفاصيل التي ترى ما هو خلف المنطوق وأمام الصورة، وهي رؤية نادرة في الأعماق لا يراها الجميع، ويتفرد بها أشخاص وهبهم الله القدرة على ربط الصور بالموقف والمشاعر واختراق المعاني الرمزية التي يخفيها التظاهر في جل الصور التي تبدو في ظاهرها أصلاً للحقيقة. هؤلاء الأشخاص لا يهمهم أن تكون الزاوية من جهة اليمين أو اليسار، لأنهم أمهر من المصورين الفوتوغرافيين الذين يختارون الزاوية حسب وجهة الإضاءة ليتقنوا التقاط الصورة، هؤلاء الأشخاص هم مهندسون بالفطرة، ويبدعون إن سنحت لهم الفرصة لإعطاء مرئياتهم في مختلف الأمور، لأنهم بارعون في إبراز أدق التفاصيل كما في الزاوية الحادة التي لا يمكن أن تنفرج معهم بأمور قد تخالف الحقيقة المقصودة مهما اختفت منها الصور أو الوقائع الحقيقية. في الحياة العملية ستواجه القليل من هؤلاء الأشخاص، لأنه من الصعب الحصول عليهم إلا فيما ندر، لذلك فإن اقتناصهم وهم يملكون تلك المهارة يبدو في غاية الأهمية، لمعرفة السر وراء دوافعهم وميولهم التي تجعلهم متوائمين ومرتبطين بالواقع المعزز لتلك المهارة الهندسية التي تتطلب مناهج خاصة تنتج عنها طاقات قادرة على التحليل المنطقي وابتكار أفكار أكثر من تلك الزاوية الحادة من الرؤية. * كاتبة وأكاديمية بحرينية