التحول الرقمي

| عبيدلي العبيدلي

في العصر الرقمي، تجد الكثير من المنظمات نفسها مضطرة إلى التكيف مع المشهد التكنولوجي سريع التطور. والتحول الرقمي (Digital Transformation)، الذي يشار إليه غالبًا باسم “DX”، هو العملية التي من خلالها تستفيد الشركات من التقنيات الرقمية لتغيير إستراتيجياتها، وتطوير عملياتها، وتطوير ثقافاتها. وينطوي هذا التحول على تكامل الأدوات الرقمية، مع صنع القرار القائم على البيانات، سوية مع التغييرات التنظيمية لخلق القيمة والحفاظ على القدرة التنافسية.

وقد رافقت انتشار مفهوم التحول الرقمي الكثير من الاجتهادات المسؤولة الباحثة عن تعريف علمي سليم يحدد معالم هذا المفهوم، ويزيل عناصر التضليل، وربما الخطأ الذي أحاطت به. 

ومن أبرز عناصر ذلك الفهم الخاطئ الوهم الذي يحصر إستراتيجيات التحول الرقمي في تبني التقنيات الجديدة. فعلى الرغم من أهمية التكنولوجيا بوصف كونها عنصرًا حاسمًا في عملية التحول تلك، إلا أنها تبقى، في نهاية الأمر، مجرد جزء واحد في الصورة الأكبر. إذ يتضمن التحول الرقمي الناجح أيضًا تغييرات في العمليات والثقافة والعقلية للاستفادة الكاملة من فوائد التكنولوجيا.

من جانب آخر، يتوهم البعض أن التحول الرقمي هو بمثابة مشروع محدد يتم إنجازه كاملًا في عملية واحدة لها نقطة انطلاق ومحطة وصول. في حين تؤكد التجارب العملية أنه بمثابة رحلة مستمرة لا تتوقف. ويتطلب النجاح في تحقيق أهدافها أن يرافقها إجراءات تكيف مستمرة، تمس جوهر سلوك الأفراد، بل وحتى المؤسسات الضالعة فيها.

على نحو موازٍ يحصر البعض مسؤولية تحقيق التحول الرقمي في إدارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المؤسسات المعنية، في حين تتسع دائرة التحول الرقمي كي تشمل المنظمة بأكملها. ولا يعني ذلك التقليل من مساحة المسؤولية الملقاة على عاتق تلك الإدارات. 

بالقدر ذاته هناك من يتمنى أن يحقق نتائج فورية، مباشرة تصاحب مجرد التفكير في مشروعات التحول الرقمي. حقيقة الأمر أنه استثمار طويل الأجل، قد يستغرق بعض الوقت لإظهار نتائج ملموسة.  

ويكرس البعض موارده لضمان اقتنائه أحدث التقنيات، دون الالتفات نحو أي مستوى من مستويات التخطيط الإستراتيجي. هذا المدخل، ربما يقود صاحبة إلى نتائج عكسية. فمن الضرورة بمكان ملازمة قرار التحول الرقمي حصر سليم لاختيار التقنيات التي تلبي احتياجات العمل المحددة، دون تجاوزها.

ويصاحب اتخاذ قرار التحول الرقمي الخشية من فقدان البعض لوظائفهم.  ليس هناك من يتوهم بقاء كل ما هو في المؤسسة المعنية على حاله. ففي هذا المدخل ما يتناقض مع متطلبات التغير والتقدم. حقيقة الأمر هنا، أن التحول الرقمي غالبًا ما يولد أيضًا فرص عمل جديدة. وكثيرًا ما يغير طبيعة العمل بدلًا من إلغاء الوظائف بالكامل.

هذا يقودنا نحو المدخل السليم للفهم الصحيح لمصطلح التحول الرقمي بوصف كونه عملية متعددة الأوجه تشمل التحولات التكنولوجية والتنظيمية والثقافية داخل الشركات والمؤسسات. وهو نهج شامل، يحتوي التكنولوجيا والإستراتيجية والأفراد. ومن خلال تشريح المفهوم والاستفادة من المصادر العلمية، نكتشف أن التحول الرقمي هو عملية شاملة تتجاوز مجرد اعتماد التكنولوجيا. وهو يستلزم إعادة تشكيل إستراتيجيات الأعمال والعمليات والثقافات لتسخير إمكانات الأدوات الرقمية، المدعومة بالبحث الأكاديمي، كي تلقي الضوء على الطبيعة المتعددة الأبعاد للتحول الرقمي وتأثيره الكبير عبر مختلف القطاعات. إن المنظمات التي نجحت في اجتياز هذه الرحلة تضع نفسها في مكانة لتحقيق النمو المستدام والابتكار.

وتشكل برامج البحث الأكاديمي وإستراتيجيات التعليم، وطرق القيام بها عناصر لا يستغنى عنها من أجل ضمان توفير البيئة السليمة التي تمكن التحول الرقمي من تغيير أساليب التعليم، والتحكم في مخرجاتها، كي تتلاءم مع طموحات أهداف التحول الرقمي وأهدافه التي يريد مجتمعه المعني الوصول لها.