الترقيم والرقمنة والتحول الرقمي
| عبيدلي العبيدلي
تتفاوت تعريفات اللغة ووظائفها من البسيط المباشر، الذي يحصرها في إطار ضيق فيعتبرها "نسق متشعب من الإشارات والرموز"، إلى ذلك المعقد الذي يسبغ عليها بعدًا معرفيا فيعتبرها "أداة من أدوات المعرفة". لكن المتفق عليه أنها "أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة. وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي". وكانت للعرب مساهماتهم في هذا المجال. (((((فهي عند ابن جني، الذي يعتبر البعض تعريفه لغة واحدًا من أشهر التعريفات العلماء العرب اللغة العرب)))))))))))، "أصوات يعبر بها كل قومٍ عن أغراضهم". في حين ينطلق ابن خلدون في تعريفه لها من خلفيته الفلسفية الاجتماعية فيرى أنها "عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، فلابد أن تصير ملكة مقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم". وفي العصر الحديث يميز بعض الفلاسفة مثل الفيلسوف الفرنسي فرديناند دو سوسور (Ferdinand de Saussure ) حيث "يعتمد لديه أحدهما على الآخر، مع أن اللغة عند دو سوسور "هي أداة الكلام وحصيلته، ولكنَّ اعتماد أحدهما على الآخر لا يمنع من كونهما شيئين متميزين تمامًا". وكأي نشاط إنساني آخر تتطور اللغات، على اختلاف مشاربها، وتزداد تعقيدًا بشكل تناسبي مباشر مع مستوى تطور المجتمع الذي يستخدمها. هذا يفسر ازدياد عدد مفردات اللغة، وتنامي مدلولاتها. ويشكل التقدم العلمي ضرورة تدفع المجتمع الذي يشهد ذلك التطور نحو إغناء لغته باستحداث مفردات جديدة تحمل في أحشائها مدلولات مستحدثة تفرضها الاكتشافات العلمية والتطور المرافق لها. وتواجه المجتمعات الأقل تقدما مشكلة ترجمة المفردات الحديثة التي ولدتها ثورة عليمة في مجتمع آخر، وإدماجها في قاموس اللغة المستقبِلة (بكسر الراء)، متى ما أرادت – تلك المجتمعات- استخدامها وغرسها في النسيج اللغوي/الاجتماعي الخاص بها. وفي كثير من الأحيان نجد المجتمع الذي ولد المفرد الجديد في لغته لا ينجو من استخدامه بشكل متبادل مع مفرد قريب منه. يحدث ذلك، إما بسبب القصور المعرفي اللغوي لدى المستخدِم، أو جراء التقارب الشديد بين المصطلحات المستخدمة. تواجه القارئ العربي اليوم مصطلحات بحاجة إلى التدقيق بينها من أجل الوصول الاستخدام الأكثر دقة لكل منها، وتحاشي الخلط بينها. فقد ولدت ثورة الاتصالات والمعلومات ثلاث تعبيرات متقاربة في مدلولاتها، لكن كل منها يحتفظ بحريته في المدلول الذي يقصده، والمساحة المعرفية التي يغطيها.
في اللغة الإنجليزية الحديثة ثلاث تعبيرات تستخدم بشكل متبادل، لكن لكل منها دلالته التي تميزه عن الآخرين. وترغم من يحرص على حسن استخدام مفردات اللغة، استخدام كل منها في المكان الصحيح. هذه المفردات التقنية هي: "Digitisation"، و "Digitalisation"، و "Digital Transformation ". وقد حاولت أن اختار ترجمة تميز كل تعبير منها عما يعتبر البعض نظيره المطابق له، وهذا اجتهاد لا يدعي الكمال. فاعتبرت "الترقيم" هو المرادف العربي لتعبير "Digitisation" الأجنبي، على أساس أن الاستخدام الأول لهذا التعبير جرى تداوله لأول مرة في الخمسينيات من القرن الماضي لوصف "عملية تحويل الإشارات التناظرية إلى إشارات رقمية". وتم بناء أول كمبيوتر رقمي ، ENIAC ، في العام 1946 ، وتم اختراع أول كاميرا رقمية في العام 1975. مقابل ذلك وجدت "الرقمنة" هي الأكثر قربا، من ناحية الدلالة، لتعبير "Digitalisation" الإنجليزي الأكثر تعقيدًا من الذي سبقه، لنجده يستخدم لوصف "عملية تحويل المعلومات التناظرية إلى شكل رقمي". على سبيل المثال ، رقمنة النصوص المدونة فوق صفحات الكتب والدوريات، أو رقمنة المقطوعات الموسيقية والأفلام. وقد أصبح مصطلح "الرقمنة" "مستخدمًا على نطاق واسع في الثمانينيات، حيث تنامت صناعة تحويل المزيد من المعلومات إلى أشكال رقمية مختلفة". أما التحول الرقمي " Digital Transformation"، على أساس أن استخداماته الجوهرية تنصب على الاستعانة بالتقنيات الرقمية المتكورة لتغيير طريقة عمل الشركات. وهذا يتضمن أشياء متعددة مثل استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وانتشار الأمن السيبراني في تطبيقات ذات علاقة بالسلوك الإنساني الباحث عن الأمن والأمان في استخدامات تقنية المعلومات والاتصالات المختلفة بما فيها تلك الفردية مثل التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية.