مدرسة عبدالرسول التاجر ومكتبته الخاصة... تاريخ مشرف
| د. منصور محمد سرحان
شهدت مملكة البحرين بداية تأسيس المدارس الأهلية على أيدي نخبة من الأفراد البحرينيين المتعلمين والمهتمين بنشر العلم بين أبناء المجتمع البحريني في فترة العشرينات وحتى الأربعينات من القرن العشرين. وتعد مدرسة (دار العلم) التي أسسها عبداللطيف سعد الشملان في عام 1926م أول مدرسة أهلية خاصة تؤسس في البلاد. ومن بين المدارس الأهلية التي تأسست على أيدي الأفراد بعد التجربة الأولى (مدرسة الفلاح) لصاحبها محمد علي زينل والتي تم افتتاحها في عام 1928م، تلتها (مدرسة إبراهيم العريض الأهلية) في عام 1931م، و(مدرسة الإصلاح) في عام 1936م وكان يديرها الشاعر المعروف عبدالرحمن المعاودة، وآلت مسئولية إدارتها فيما بعد إلى أبناء خميس الزياني، الأمر الذي دفع عبدالرحمن المعاودة إلى تأسيس مدرسة خاصة به أطلق عليها (مدرسة الإرشاد). من بين أبرز رواد تأسيس المدارس الأهلية في عقد أربعينات القرن العشرين وأكثرها شهرة لتميزها عن بقية المدارس الأخرى (مدرسة عبدالرسول التاجر). فقد أسس مدرسته بمدينة المنامة في عام 1945م. وكان رجلًا مثقفًا يتقن بطلاقة عدة لغات وهي بالإضافة إلى لغته العربية، اللغة الانجليزية والهندية والفارسية. كما كانت له مهارة خاصة بالترجمة من لغة إلى لغة أخرى من تلك اللغات الأربع وبصورة متقنة وسريعة. تعد مدرسة التاجر فريدة من نوعها؛ لكونها المدرسة الوحيدة التي تخصصت في تعليم وتدريب طلبتها على استخدام الآلة الكاتبة العربية والانجليزية اعتبارًا من عام افتتاحها 1945م وحتى السنوات الأولى من عقد ثمانينات القرن المنصرم. كما كان يقوم بتدريس اللغة الانجليزية مستفيدًا من المناهج البريطانية باستخدامه كتب (أوكسفورد) المعروفة آنذاك. فتح مدرسته للذكور والإناث، وكانت تلك ميزة أخرى لمدرسة التاجر. وأتذكر جيدًا أن جميع الموظفات اللائي عملن بمكتبة المنامة العامة في سبعينات القرن العشرين تدربن على استخدام الآلة الكاتبة في مدرسة التاجر. خرجت مدرسة التاجر المئات من الذين أتقنوا التدريب على استخدام الآلة الكاتبة العربية والانجليزية. وكان جميع الخريجين الذين أتقنوا الضرب على الآلة الكاتبة يتم توظيفهم في الحال باعتبار ذلك تخصصا جديدا ومطلوبا حينذاك، ولهذا أصبحت مدرسته لها أهميتها وخصوصيتها بين المدارس الأهلية الأخرى، وهذا هو سر بقاها على مدى أربعين سنة متواصلة. تنقلت مدرسة التاجر من موقع إلى آخر حتى استقرت في نهاية المطاف في مبنى خاص بها في منطقة الحورة وبالتحديد في حي (التلغراف). وقد استغل مبنى المدرسة الكبير، فأسس بها مكتبته الخاصة التي ضمت عشرات المخطوطات، وآلاف الكتب المطبوعة طباعة حديثة، وعشرات الكتب المطبوعة طباعة حجرية. وبلغ عدد مقتنياتها من الكتب على اختلافها عشرة آلاف كتاب، تركز القسم الأكبر منها في الثقافة العامة. كما ضمت العديد من الموسوعات باللغتين العربية والانجليزية، وأمهات الكتب العربية والإسلامية، وبعض الأطالس والقواميس والأدلة. تميزت المكتبة بوجود مجموعة من المخطوطات بلغ عددها 88 مخطوطة، تتراوح سنوات كتابتها أو نسخها بين الموغلة في القدم، وبعضها يرجع إلى عشرات السنين، ومن بينها مجموعة من المصاحف المخطوطة. ويتوفر بمكتبته مخطوط نادر يتعلق بمقامات الحريري، كما تضم مكتبته مخطوطا فريدا من نوعه يضم مجموعة نماذج الخط العربي، قام بخطها أحمد النيريزي سنة 1118هـ مستخدمًا ألوانًا مختلفة من الحبر. كما خط آيات من القرآن الكريم، وأدعية وأحاديث كنماذج معبرة عن جماليات الخط العربي. حرص التاجر على ألا يفتح مكتبته للجميع بما في ذلك طلبة مدرسته، إلا أنه كان يفتحها لمن يثق بهم من أصدقائه المخلصين، ومن بعض الأدباء والمثقفين البارزين والمعروفين. وكانت تغمره سعادة أثناء شرحه للزائر مقتنيات مكتبته والجهود التي بذلها في جمعها، إلا أنه رغم ذلك لم يسمح لأحد كائنًا من كان باستعارة أي كتاب أو مخطوطة من مكتبته. وكان يرد على من يطلب منه استعارة كتاب أو مخطوطة بذكر القول المأثور (آفة الكتب إعارتها). تحولت ملكية هذه المكتبة المهمة بعد وفاته في عام 1990م إلى رجل الأعمال المعروف مهدي التاجر وفق وصية صاحبها، ولا تزال مقتنياتها من الكتب والموسوعات والمخطوطات القديمة مكدسة في أحد منازل التاجر.