حوارات مزاجية

| د.حورية الديري

الحوار الأول عالي المزاج متناغم مع المشاعر، أصحابه يرون العالم من أعلى قيم القناعة والرضا، ولا يمر عليهم طيف من البشر إلا أسعدوه بكلمة أو إيماءة، كلماتهم رقيقة كالبسلم، يعيشون في وئام ومصالحة مستمرة، والسبب في ذلك يعود إلى قدرتهم على السيطرة والتغلب على كل المتغيرات المزاجية، والتعامل مع الحياة كما يرغبون ويطمحون.. ولا يلجؤون لتبرير تصرفاتهم وإلقاء اللوم على ظروف الحياة، فتسير معهم الأيام في مصاحبة تامة، لذلك فهم أقل عرضة للقلق والخوف، ولا يمكن أن تنتج عنهم انعكاسات بغير ذلك للآخرين. أما الحوار الثاني فهو كالموج صاعد نازل، لا توجد ضمانات لفترة الهدوء التي تعيشها أطرافه، لكنه جميل لمن يراهن على توقعاته، ويستخدم مهاراته في التحليل، والسبب أن حوارهم فيه اختلاط كبير في المشاعر، وغالبًا ما ينتج عن صراع داخلي مع الذات في البداية، بعدها ينعكس في وجه أقرب الأقرباء، لذلك يعانون ابتعاد الكثيرين عنهم خشية الأذى من ردود أفعالهم، لأن حوارهم يأتي في واقع الأمر متقطعًا، لإدراكهم التام بأن نسبة قبولهم لدى الآخرين متفاوتة، وهذه الحالة تبقى في الدائرة المجهولة لمن لا يدرك سببًا لما يصدر عنه من أفعال وأقوال، لذلك فإن الحذر الشديد واجب في هذا النوع من الحوارات، لأنها خالية من الضمانات، وقد تأتي بنتائج مأساوية نوعًا ما، أما الحوار الأخير، حتمًا لا يوجد له مبررًا في حياتنا، سوى فيما يخلفه من أوجاع وآلام لعناصره الرئيسية، وآثاره العكسية على حياة البشر، لأنه أدنى أنواع الحوارات تهذيبًا، والسبب الحقيقي وراء تدني مستوى قبول الإنسان بين الآخرين.. فتنشأ بينهم تحديات عنوانها “لمن الغلبة” ناهيكم عن مستوى تأثر من يعيش حولهم بمجمل الأساليب التي قد تكون مسببًا لتخلخل العلاقات، فتنتشر كما ينتشر الفيروس المعدي مخلفًا عواقب وخيمة على حياة البشر وعلاقاتهم.. وللحظات بسيطة لا يمكننا التخيل بأن نكون كهذا الأخير، فيما يتركه من أثر سلبي على الجميع.  فماذا لو عشنا حوارًا ممزوجًا بالواقعية على الأرض؟ وماذا لو بدت المشاعر متدفقة في مزج الروح بالمعنى؟ وماذا لو أدركنا بأن الحوار هو الكوكتيل الجميل لحياة لا يمكن أن تساوم؟. * كاتبة وأكاديمية بحرينية