جولة في العمق

| د.حورية الديري

من أهم التجارب التي تستدعي الدراسة من قبل الباحثين في مجال الاتصال وبناء العلاقات، هي طريقة انتقال المعلومات والمعاني والأفكار من شخص إلى آخر، والتعاطي السليم من عدمه مع المعلومات، وفي ذلك حتمًا اختلاف كبير، لأن 60 % من الكلام بين الناس نسيان وتأليف، و30 % تضخيم وتعميم، و10 % جزء من الحقيقة.. وهي فرضية خطيرة إن أثبتت صحتها! وللتعمق أكثر في الموضوع أذكر أحد التطبيقات التدريبية التي قدمتها لمجموعة من المتدربين حول مهارة نقل الرسالة بين المرسل والمستقبل، حيث أعطي الأول رسالة محددة دون علم الآخرين، وطلب منه نقلها كما وصلته للشخص الثاني، والذي ينقلها للثالث حتى يتسلمها الشخص الذي يليه، وتنتقل بين المشاركين، وحتى لحظة وصولها للشخص الأخير تكون الرسالة في ضياع تام وتشويه غريب لا تمت للرسالة الأولى بصلة وعلاقة، مع العلم بأن وقت مرور الرسالة لم يتجاوز العشر دقائق منذ لحظة انطلاقتها الزمنية.. ولا غرابة في ذلك، فالأمر يبدو طبيعيًا طالما أنه لم يصل للمبالغة والتضخيم من أجل أهداف خاصة، وهذا أصعب الأمرين، لأن النسيان أمر طبيعي وحتمًا فإن التأليف هو الحل المنقذ للقضاء عليه.

وحول التدرب على مهارة نقل الرسالة بصورة سليمة، لم أجد متعة أفضل من ذاك الحوار الذي جاء في قصة النملة مع نبات الفطر، حيث أجريت تجربة على مجموعة من الأطفال بهدف تحسين مهارات الأداء ونقل المعلومات لديهم، تعرضوا لمتابعة الحوار مرة واحدة ثم طلب منهم المحاكاة، فجاء الأداء ضعيفًا مختلفًا، فعليًا لقد أتقنوا الأداء في المرة الرابعة أو الخامسة من عملية متابعة الحوار ومحاكاته. في اعتقادي الشخصي، وبعد هذا المرور السريع على تلك الظاهرة، فإن كلا منا بحاجة إلى جولة في العمق، لنتعرف مستوى قدراتنا في نقل الرسالة والمعلومة، والرجاء كل الرجاء، فإن المبالغة والتضخيم لن يجعلا منا مؤثرين على الإطلاق، بل إنها طاقة مهدورة يجب تجنبها، إننا بحاجة إلى التركيز على مهارة التذكر حتى لا نقع في دائرة النسيان والتأليف، والحل في التمسك في الجزء الذي نتذكره من الرسالة مهما طالت أو قصرت، لأنها الحقيقة التي تساعد في عبور الرسالة بطريقة سليمة دون تشويه.

* كاتبة وأكاديمية بحرينية