ثرثرة وقت الاغتسال من الفوضى

| كمال الذيب

تركت صاحب المذياع هذا الصباح‮ ‬يعد المارشات والأناشيد العسكرية‮: “لعن الله الحروب لا تبقي ولا تذر”. نفض المذيع الغبار عن الشريط القديم‮: “‬بوابة الجحيم انفتحت‮.. ‬ودلفت منها الأبالسة‮، ‬ضاقت بها الآفاق‮.. لم نعد نفرق بين الغروب والشروق‮”.

‬انخرط ‬في‮ ‬موجة من الضحك‮: لا وقت للزهو أو حتى للحزن‮. أغلقوا المذياع لا تدعوه ‮ ‬يكذب‮ علينا‮.. ‬سئمنا من المارشات.‬ ‬الدنيا تمشي‮ ‬بالمقلوب وأنا أقرأ شيئا على الحائط مكتوبا: “‬إنه‮ ‬شروق الأبالسة‮.. لا وقت‮ ‬للاغتسال من الفوضى‮.. ‬القرن المنقضي‮ ‬كان مقبرة‮ للبشرية، ‬ففيه سقط أكبر عدد من الجثث‮.. ‬لا فلسفة ولا مذياع‮.. ‬الكل يمجد المارشات فيما يموت الناس بلا حساب. وهذا القرن الجديد أعلن مبكرا حروبه الجديدة،‮ ‬وبنى مجده‮ في‮ ‬العراق وأفغانستان ورواندا ودارفور وليبيا وسوريا،‮ ‬وأوكرانيا وإلى حد ما في‮ ‬جورجيا الجديدة المتعلقة بأهداب الغرب‮. ‬

هل كان ستالين أفضل من هتلر‮.. أ‬ولم يكن أكثر وحشية‮ منه؟ ‮ ‬عبدالناصر كان رومانسياً‮ ‬على طريقة أدباء المهجر‮.. ‬عادى الكبار وأحب نهرو وتيتو،‮ ‬ونكروما‮.. خياله كان حسياً‮.

عندما قضى ستالين نحبه لم‮ ‬يكن أحد‮ ‬يدري‮ ‬أن الشيوعية ماتت من الداخل قبل موته بعشرين عاما‮.. ‬وعندما سقط خروتشوف كان جيلاً‮ ‬من زعماء الكاوتشوك قد بدأ‮ ‬يتقاطر على الكراسي‮ ‬الأمامية في المسرح‮.. ‬وبدأت القيلولة الآيديولوجية تطول‮‮!‬ ولحظة سقوط بريجنيف‮ ‬في‮ ‬الغيبوبة الخامسة كان‮ ‬يغتسل بالمخمل الأحمر،‮ ‬شيء ما‮ ‬يشبه البحار الدافئة‮.. وهكذا بدأ الرجال‮ ‬يدعون من القبور ويوضعون على المقاعد الخشبية العالية،‮ ‬فيما كان الناس في الغرب ‬ينتخبون رجالا ونساء‮ ‬يتوعدون العالم بأنهم سيضعون‮ أيديهم على هواء المياه العالية في أقصى الشمال وأقصى الجنوب‮.

توقفت مارشات المذياع، وأعلن المذيع عن الحرب الجديدة وعن مواعيد صفارات الإنذار، والطفل‮ ‬لا يزال يعبر طريقا طويلا ملتويا، يمسح دمعة شتوية عند الدوارات وعند خطوط المشاة،‮ ‬يدفع جسمه دفعا نحو مدرسة بلا أسوار‮.. وقدم العصفور مثخنا بالجروح‮ ‬يتسلل من بين ثناياها الماء والوحل‮.

عند الفجر أعلن المذياع: ‘’‬صباح الخير أيتها الحرب‮.. ‬الدنيا جميلة والطقس لطيف، وإليكم خلال أسعار البنفسج فسحة جديدة، غيوم تسير عكس التيار، والاغتسال من الفوضى بمطر شتوي،‮ ‬وأنت معلق على رذاذ المذياع”.

كاتب وإعلامي بحريني