الفاقد التعليمي والتربوي: أزمة ام فرصة للحلول المبتكرة
| طه رجب وعبدالغني الحطامي
مع انتهاء الحجر الصحي العام وانحسار وباء كورونا منتصف صيف ٢٠٢٢ في الكثير من بلدان العالم ومنها دولة البحرين وعودة الحياة الطبيعية تدريجيا، ظهر بقوة مصطلح الفاقد التعليمي للطلبة والتلاميذ وأصبح لازمة تتردد على ألسنة الإدارات المدرسية والطواقم التعليمية والأكاديمية ومشرفي العملية التعليمية والتربوية انتهاء بالأهالي واولياء الأمور. فما المقصود يا هل ترى بهذا المصطلح؟ وهل الفاقد التربوي مختلف عن الفاقد التعليمي ام ثمة ارتباط عضوي بين المصطلحين. وهل كانت فترة العزل الاجتماعي الطويلة السبب الرئيسي وراء ظهور الفاقد التعليمي ام عززته واظهرته للعيان؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة في هذا المقام.
لنبدأ بتوضيح ان عبارة الفاقد التعليمي ليست مكافئة لعبارة "التأخر او التسرب المدرسي" او "الفاقد التعليمي الجزئي او المرحلي" وليست مكافئ لمصطلح "الفجوة التعليمية" وان كان في كل ما سبق أجزاء تجتمع لتسهم بمُسببات او نتائج الفاقد التعليمي. الفاقد التعليمي، كما يشير المصطلح، هو ما يفقده المُتعلم السليم المتوازن من تحصيل دراسي وسلوكي واجتماعي ومجتمعي ويتأخر به عن اقرانه في الظروف الطبيعية لجهة النواتج التعليمية والسلوكية المحددة لتلك الشريحة العمرية ضمن فترة زمنية رغم توفر الموارد التعليمية من كتب ومدرس ووسائل تعلم. الكثير من العوامل اللامدرسية تتدخل لترسم وتحدد صورة وطبيعة الفاقد التعليمي. لنأخذ هذا السيناريو الافتراضي المبسّط لتوضيح الامر: التحق الطالبين سعد وسعاد في المدرسة في سن السادسة وهما من اسرتين متقاربتين ماديا واجتماعيا وثقافيا. لا يعاني أي من الطفلين من صعوبات في النطق، او من مُعوّقات تَعلم او مشاكل نفسية او اعاقات جسدية او مرضية مزمنة، كما لا توجد اجمالا مشاكل اجتماعية أو اسرية لديهم. كل طفل في منطقة ومدرسة حكومية مختلفة - أحدهما بمدرسة في شمال الدولة بينما الأخر في جنوبها. كلتا المدرستين تُدرس ذات المنهج الحكومي والخطة التعليمية. مع بداية الصف الثالث الابتدائي انقطع الطفل سعد عن المدرسة لسنتين كاملتين بسبب جائحة ضربت المنطقة وعلى إثرها قررت الإدارة المحلية تطبيق حجر صحي كامل في المنطقة الشمالية وتحويل الدراسة عن بعد عن طريق الانترنت (سيناريو كوفيد)، بينما لم تتأثر منطقة سُعاد في جنوب الدولة بالعارض الصحي حيث استمرت العملية التعليمية كما هو معتاد واكملت سعاد تعليمها في الصف الرابع والخامس بشكل طبيعي. قامت هيئة الرقابة التعليمية باجراء تقييم لمستوى كل من سعد وسعاد لسبر تحصيلهم العلمي في مواد اللغة (القراءة والكتابة) والرياضيات. تبيّن ان سعد متأخر معرفيا وسلوكيا بفصل دراسي او أكثر عن سعاد. هذا ما يمكن الإشارة اليه بالفاقد التعليمي بالإجمال على مستوى الافراد، ولكن هنالك تفاصيل وعوامل كثيرة تدخل بتحديد طبيعة وحجم الفاقد التعليمي ومنها مستوى تعليم الاسرة ومدى مساهمتهم بتدريس سعد لتقليص الفجوة. الانقطاع التعليمي هو مصطلح مقارب للفاقد التعليمي، ولكن يشير الى الانقطاع التام للدراسة والتعلم بسبب عوامل قاهرة (كالحروب او الكوارث الطبيعية) وانعدام البيئة التعليمية والمادية المساعدة في عملية التعلم. يعاني المتعلمين المصنفين من فاقدي التعليم، ولا سيما بمرحلة التعليم الابتدائي، من تدني مستوى التحصيل والدرجات وتدني الدافعية وأحيانا الرسوب بمرحلة تعليمية. ويتجلى الضعف جليا بمهارات القراءة والكتابة والحساب بشكل رئيسي. لا يقتصر دور المدرسة على التحصيل المعرفي والعلمي وانما يتعداه ليشمل اكتساب المهارات الاجتماعية من خلال تعزيز السلوك الجمعي والمجتمعي مثل تبادل الأدوار، والعمل ضمن مجموعات، واللعب الهادف ضمن فريق. كل ما سبق يندرج تحت فوائد المدرسة مقابل المحاذير المتأتية من الجلوس بالمنزل والتعليم عن بعد. ففي حين يشعر الطالب انه في "بيئة عمل " بالمدرسة حيث توجد قوانين محددة يجب الالتزام بها مثل قفل الأجهزة الالكترونية والالتزام بالحضور والاصغاء وعمل الواجبات والمهمات المدرسية يتضاءل هذا الدور ويضعف في الدراسة في المنزل عن بعد حيث يصعب الجَمع بين جو العائلة وجو العمل الدراسي وتتلاشى الحدود بين البيئتين. بالإضافة لما سبق، يعاني فاقدو التعليم من مشاكل سلوكية بسيطة كالإتيكيت والذوق العام حيث يتم وبشكل متزايد الإبلاغ عنها من قبل التربويين ويعزى ذلك لطول فترة الانعزال ولا سيما لأولئك المستجدين على العملية التعليمية التقليدية (مثلا أطفال الصف الثالث) ممن انقطعوا لسنتين ونصف عن الحضور المدرسي او طلاب الجامعة الذين صادف تسجيلهم بالجامعة مع الحجر الصحي وانتقلوا الى التعليم عن بعد. العديد من دول العالم تنبهت الى مسالة الفاقد التعليمي اثناء وبعد الجائحة ووضعت استراتيجيات مختلفة للتخفيف من اثار الفاقد التربوي والتعليمي. فعلى سبيل المثال اثناء فترة الجائحة وجهت الكثير من الجهات الحكومية وغير الحكومية الى ضرورة "تخفيف" المنهج المدرسي والتركيز على مواضيع رئيسية تتماشى مع مقدرة الأطفال وقدرة ذويهم على متابعة المنهج المخفف وهذا ما قامت به دول في جنوب آسيا كالهند وبنغلاديش. في مكان اخر بالعالم وبعد انتهاء الحجر الصحي الوطني قررت الادارات التربية المحلية في إنجلترا (باعتبار ان هنالك سلطات تعليمية لا مركزية) بتمديد اليوم الدراسي مدة ساعة كاملة وإعطاء الطلبة مقررات صفية ولا صفية لتسريع ردم الهوة. في بريطانيا أيضا رصدت الحكومة المركزية في لندن ما يقارب نصف مليار دولار امريكي لتنفيذ برنامج تدارك مكثف يستهدف الشرائح الأكثر تهميشا في الدولة ويقضي ذلك بتأهيل مدرسين للعمل بشكل فردي مع الطلبة المتأخرين او اجراء دروس تقوية إضافية لمجموعات صغيرة منهم. من جهتها قامت جهات لا حكومية مثل اليونيسف والبنك الدولي بوضع استراتيجيات وخطوط عريضة تهدف الى ضمان عودة الطلبة لمدارسهم وتعويضهم الفاقد التعليمي من خلال اعداد المعلمين والبرامج الرامية لردم هذه الفجوة. ضغط المنهج وتكثيفه كانت احدى الاستراتيجيات التي تبنتها بعض الدول مثل كينيا واثيوبيا ونيبال حيث قامت الإدارات التعليمية بتلك الدول بضغط منهاج السنوات الدراسية لتسريع إعطاء منهاج سنتين او ثلاث خلال فصلين دراسيات. بعض الدول مثل اسكتلندا قررت تقليص فترة الاجازة الصيفية وتمديد السنة الدراسية لتعويض الفاقد التعليمي. مع هذا الحرص على ردم فجوة الفاقد التعليمي والتربوي فإنه من الأهمية التركيز على الرسائل التوعوية التي تنعكس إيجاباً على سلوكيات الطلبة من قبل الأهل والمدرسة. الدور التربوي مهم للغاية لمواجهة الفاقد التعليمي. عند العودة إلى مقاعد الدراسة بعد فترة الحجر الصحي في العاميين الماضيين ستكون هناك مشاكل سلوكية لدى الطلبة يصعب على المعلم وحده التعامل معها. وهنا يظهر دور الإدارة المدرسية في التوعية وفرض الإجراءات اللازمة للحد من السلوكيات غير المرغوب فيها وتعديلها للأفضل، لن تتم فرصة تعويض الفاقد التعليمي والنهوض بالعملية التعليمية دون تعديل الفاقد التربوي.
د. طه رجب استاذ مساعد في أصول التدريس وتطوير المناهج كلية البحرين للمعلمين، جامعة البحرين
د. عبد الغني الحطامي استاذ مساعد في القياس والتقويم كلية البحرين للمعلمين، جامعة البحرين