الحياة مدارس
| د.حورية الديري
عندما أدخل نطاق تطوير الذات وبالتحديد مجال فن التعامل مع الشخصيات الصعبة، فإنني لا أجد إلا تلك الدائرة بأقسامها الأربعة وهي في دورانها حول أسس بناء العلاقات الإنسانية، أتنقل بين محطاتها بحذر شديد كي لا أصاب بالدوار، وغالبًا ما يقودني ذلك ناحية الدخول إلى تلك العمليات والمراجعات الذهنية التي تعنى بتقوية التفكير ومهارة التحليل والتقييم التي نحتاجها نحن البشر في حياتنا، وهذا في وجهة نظري يساعد الإنسان على وضع منهجيته لإتقان مهارة الهدوء مع التنفس العميق لدراسة ما يجري حوله وفق ما تقتضيه الحاجة والمتغيرات، وهي من أهم الأمور التي يجب أن نتعلمها مبكرًا في حياتنا، لمساعدتنا على قبول التحديات وتخطيها بسلام. ومن هنا سأدخل في الموضوع الذي جعلني أتأمل قيمة ما نجهله، حتى أننا لو علمنا به لما جهلنا قيمته أبدًا، لكن “الحياة مدارس”، فقد حدثني أحد الخبراء في مجال الذكاء العاطفي عن تجاربه الحياتية، خصوصًا تلك المواقف التي كان يتعرض إليها من قبل زملائه أو المسؤولين في بيئة العمل، موضحًا طريقة استجابته وطريقة التعامل مع الآخر، فماذا قال لي حرفيًا؟ إنه يؤكد في حديثه المتواضع على أمرين مهمين يتعلقان بأوجه الاستعداد والقبول المستمر لوجود معارضين لأسباب عديدة ومختلفة، وتجنب الجدال معهم حتى لا تؤخذ الأمور بشكل شخصي وتتكرر المواقف المزعجة، ليست فقط من الطرف الآخر المعادي له، لكن حتى لا يجعل للحقد والكيد محلاً له في القلب، وحتى ينال السمو في التعامل، وقال إنه لا يتوانى عن المبادرة بالخير مع من يبادله بسوء النية في سلوك أو تصرف، وقد تعرض لها كثيرًا طوال سنوات خبرته الطويلة، لكنه يغض الطرف عنها وعن غيرها. ومن هنا أعزائي القراء، اسمحوا لي بتلك الإشارات الضمنية التي تؤكد جانبًا من أهم جوانب نجاح القادة المميزين، فلم تكن لهم الحياة وردًا ومسكًا حتى وصلوا لما هم عليه اليوم، بل تمايزوا على الكثير من الأمور في حياتهم حتى حققوا السمو الذي إليه يطمحون، ولا غرو من ذلك فإننا نستطيع عبر تلك المحطات وغيرها أن نحذو الحذو ذاته ونسمو بهدوء النفس ورقيها. إن الناجحين في حياتهم هم من يملكون النفس المطمئنة والسكون الداخلي الذي يجعلهم يركزون على إنجازاتهم بدلاً من الانتقام ورد السوء بالسوء.