الناس كما يتحدثون

| د.حورية الديري

في‭ ‬ثراء‭ ‬شديد‭ ‬تتصدر‭ ‬بعض‭ ‬المحادثات‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬محلها‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬المقصود‭ ‬وغير‭ ‬المقصود،‭ ‬فتعمل‭ ‬الحواس‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬تشجيع‭ ‬الفهم‭ ‬والتفاعل‭ ‬معها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ألهمني‭ ‬فعليًا‭ ‬لمقال‭ ‬اليوم،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القول‭ ‬المشهور‭ ‬“الناس‭ ‬لا‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬الأشياء‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بل‭ ‬كما‭ ‬يريدون”‭.‬

يتناول‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬مفهوم‭ ‬“الحقيقة”‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬تلك‭ ‬المجادلات‭ ‬التفسيرية‭ ‬التي‭ ‬قرأتها‭ ‬حول‭ ‬الموضوع،‭ ‬حتى‭ ‬خلتني‭ ‬أغوص‭ ‬في‭ ‬مضامين‭ ‬فلسفية‭ ‬قد‭ ‬تبعدني‭ ‬عن‭ ‬الفكرة،‭ ‬فرجعت‭ ‬بمعناها‭ ‬القريب‭ ‬للجميع،‭ ‬لنقول‭ ‬إن‭ ‬الحقيقة‭: ‬“هي‭ ‬الانعكاس‭ ‬الصادق‭ ‬الصحيح‭ ‬للواقع‭ ‬في‭ ‬الفكر،‭ ‬أي‭ ‬مطابقة‭ ‬الفكرة‭ ‬للشيء”،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬“التأكيدات،‭ ‬والمعتقدات،‭ ‬والأفكار،‭ ‬والمقترحات”،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬فإننا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬نحتاج‭ ‬للغة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬التعبيرات‭ ‬والسلوكيات‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث،‭ ‬وقد‭ ‬نتقن‭ ‬المهارة‭ ‬ونبدع‭ ‬في‭ ‬الوصف‭ ‬والتعبير،‭ ‬وقد‭ ‬نتميز‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الحقائق‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟

القضية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬القول‭ ‬المذكور‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬ترتبط‭ ‬بسيطرة‭ ‬الدوافع‭ ‬والمشاعر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لذلك‭ ‬تنتشر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬وجه،‭ ‬ما‭ ‬يفقدها‭ ‬الصحة‭ ‬ويبعدها‭ ‬عن‭ ‬الدقة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الغرار،‭ ‬بحثت‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬لأقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬والسلوكي‭ ‬للأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يكررون‭ ‬نفس‭ ‬الحديث‭ ‬بتفاصيل‭ ‬مختلفة‭ ‬إما‭ ‬زيادة‭ ‬أو‭ ‬نقصانا،‭ ‬وتوقفت‭ ‬أمام‭ ‬أمور‭ ‬متعددة‭ ‬تحكم‭ ‬الحدث‭ ‬والحقيقة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بمستوى‭ ‬ثقافة‭ ‬الشخص‭ ‬والأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬يعتمد‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب،‭ ‬إذ‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬غلبة‭ ‬مشاعر‭ ‬الخوف‭ ‬وقيود‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬أو‭ ‬الحاجة‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬الحماية،‭ ‬لكن‭ ‬التساؤل‭ ‬يتمحور‭ ‬هنا‭ ‬حول‭ ‬نسبة‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬والحقائق‭ ‬ذاتها،‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقات‭ ‬البشرية،‭ ‬ودرجة‭ ‬الوعي‭ ‬لدى‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬بعدم‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬الحقائق‭.‬

ربما‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬الحاجة‭ ‬لطرح‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الموجودة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬نتائجها،‭ ‬بغرض‭ ‬فتح‭ ‬الأفق‭ ‬لدراسة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬أسبابها‭ ‬تراكم‭ ‬قضايا‭ ‬الحقيقة‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬والمجتمع،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الجدارة‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إننا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط،‭ ‬وهي‭ ‬أننا‭ ‬غالبًا‭ ‬نرفض‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬وعي‭ ‬حقائق‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬الشخصية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬“راحة‭ ‬البال”،‭ ‬والأجدر‭ ‬بنا‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬نتفق‭ ‬بأن‭ ‬الثراء‭ ‬الذي‭ ‬نمتلكه‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬الكلام‭ ‬والحديث‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬لموقف‭ ‬طلب‭ ‬الحماية‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الحقيقة‭.‬